مقالات مختارة

المسيحيون من صنّاع المشترك العربي (2) - فؤاد خليل - السفير   21/10/2011

سؤال الراهن.
تقود نتائج الدرس التاريخي في بلادنا الى سؤال لا يصح تجاهله وهو: لماذا نأخذ راهنا بالتصنيف الماهوي للأكثرية والاقلية؟ او بالاحرى، لماذا تطرح قضية الميسحيين العرب من باب الاكثرية والاقلية؟
ان من يطرح هذه القضية أيا يكن موقعه او لقبه من باب الاكثرية والاقلية، يأخذ برؤية ثقافوية إزاء نظرة الطائفة الى ذاتها وإلى الطوائف الاخرى. والمعلوم ان الثقافوية التي تشغل حيزا مؤثرا في ساحتنا الفكرية، تختزل الثقافة بالدين او للدقة تختزل الثقافة بالمذهب. وحين يجري الامر على هذا النحو، يهمين الخاص الثقافي، الديني او المذهبي على المشترك الثقافي بين الطوائف والمذاهب. فيضعف المشترك، ويتقلص المجال العام ويتقدم عليه المجال الفئوي الطائفي. حينذاك تنظر الطائفة الى ذاتها على انها كيان مستقل قائم بذاته، ومتجاور مع كيانات او طوائف اخرى. ومع نظرة تقصي المشترك او المجال العام، لا تعود الطائفة جزءا من كل مجتمعي؛ بل تغدو جزءا مستقلا يتعايش خارجيا مع الاجزاء الاخرى. والتعايش من الخارج بين الطوائف، يطيف نظام حياتها كله، ويقيس احجامها وفاق معيار مطيف هو العدد. فيغدو من البديهي ان تخنزل الاكثرية العددية بالطائفة السنية، وأن تحيل الاقليات العددية الى طوائف المسيحيين والشيعة والدروز والعلويين... الخ. وبمعنى آخر، ان الباب الذي تطرح من خلاله قضية المسيحيين العرب، هو باب تطييف الاكثرية والاقلية. بيد ان هذا الباب يتيح لنا ان نؤكد ان الاكثرية (السنة) حين تتطيف تتحول الى اقلية كبيرة بغض النظر عن عددها، وأن الاقلية تتحول عندما تتطيف او تتمذهب الى اقلية صغيرة ايا يكن حجمها العددي. وفي الحالين يتآكل الكل المجتمعي ويتلاشى المشترك وتدخل جميع الاقليات في تنابذ دوري على حماية مجالاتها الفئوية الخاصة..
ومن الاسلحة التي تستخدمها الاقليات الكبيرة والصغيرة في تلك الحماية، انها تحارب او تهمل او تعرض عن اي تقدير حقيقي لمفكرين من ابنائها. ذلك انهم يصنفون إما علمانيين او وطنيين او عروبيين. وفي المقابل، تقدر عاليا وتمجد لا بل تعظم مفكرين آخرين لانهم طائفيون اخذهم الفكر الطائفي الى حيث الدفاع المستميت عن حدود منازلها الفئوية...
المسيحيون من صناع المشترك.
ان طرح قضية المسيحين العرب ثقافويا، يصورهم أنهم ليسوا جزءا عضويا من الكل المجتمعي، ويضعهم في دائرة الخوف من اي جزء ينتهج بعضه التشدد والتطرف في علاقته مع الآخر الديني او الطائفي المختلف. وبلغة اخرى، ان الثقافوية تسلب المسيحيين اسهامهم في صناعة المشترك الثقافي العربي في الكل المجتمعي، كأنهم كانوا على امتداد قرون يعيشون في جغرافيا من دون تاريخ. غير ان النظر السوسيو ـ تاريخي الذي يتحرر من منهج التطييف سواء صدر من جهة اسلامية او مسحية؛ يثبت ان المسيحيين كانوا من صناع هذا المشترك منذ ما قبل الاسلام الى يومنا الحاضر. ومن يسهم بدور كهذا، لا يحتاج الى شهادة من احد لكي يبرهن على انتمائه الاصيل الى بلاد العرب...
اما حين يضعف المشترك الثقافي او يتآكل، فلا تعود القضية تخص المسيحيين وحدهم؛ بل تغدو قضية الكل المجتمعي الذي يتهدده التفكك البنيوي او الصراع الاهلي المدمر. ومع اهلية الصراع، تتحول الاكثريات والاقليات الطائفية او المذهبية الى وقود حي له. ولن يتخلص المجتمع من هذا المصير الداهم إلا مع مشروع اكثري ينشد بناء دولة مدنية حديثة توحد مجالها المجتمعي والوطني، وترسي المساواة القانونية والسياسية، وتعامل الافراد كمواطنين احرار لا يتوسط بينهم وبينها اي انتماء تقليدي. وقتذاك، ينقسم هؤلاء الى اكثرية واقلية على قواعد سياسية تحفظ وحدة المجتمع او المجال الوطني من مغبة تفككه وانقسامه...
ان المسيحيين معنيون ربما قبل غيرهم، بالدعوة الى بناء هذا المشروع الدولتي لكي يتابعوا اسهامهم في صناعة المشترك العربي، ولئلا تأخذهم الاكثرية الطائفية، كما الاقلية الطائفية الى كيانات ضيقة ومنغلقة، وحتى لا يبقى الخوف زائرا دوريا بين ظهرانيهم.

باحث وأكاديمي من لبنان


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé