مقالات مختارة

دور الإعلام والمثقفين العرب في تحويل الثورات إلى فتن دينية (2) - جورج قرم - النهار   21/10/2011

ان تكاثر الكلام، يمينا وشمالا، بحق أو بدون حق، حول خوف العرب المسيحيين، قد أصبح ملهاة أخرى يحول دون وعي جو التوتر والفتنة بين المذاهب الإسلامية نفسها. والحقيقة هي ان القضية الرئيسية هنا ليست قضية مسيحيين أو سنة أو دروز أو شيعة أو علويين، بل هي قضية الحفاظ على التعددية الدينية والمذهبية العظيمة التي امتازت بها على مرّ العصور المجتمعات العربية وبعض المجتمعات الإسلامية الأخرى، وذلك على خلاف ما كان قد أصاب الأنظمة السياسية الأوروبية التي عملت للقضاء على التنوع، تارة باسم الدين وطورا في العصر الحديث باسم العرق أو القومية النقية. وقد وظّفت أوروبا الاستعمارية الدين الى ابعد الحدود في هيمنتها على العالم الخارجي وزعزعة كيان السلطنة العثمانية المتعددة القوميات والديانات عبر استغلال التنوع الديني والعرقي في كل أقاليمها والادعاء بحماية «الأقليات»، ما أدى في نهاية الأمر الى المجازر البشعة في نهاية الحرب العالمية الأولى بين الأتراك والأرمن واليونانيين القاطنين في الأناضول منذ قرون طويلة وتهجير العنصر غير التركي قسريا خارج حدود الدولة التركية الحديثة.
وتجدر الإشارة هنا الى ان كلمة «أقلية» هي حديثة الطابع وهي مستوردة من القاموس الأوروبي العائد الى القرن التاسع عشر عند إقامة نظام الدولة ـ الأمة بهوية واحدة وأحادية الجانب، مما حوّل العديد من المواطنين غير المنتمين الى مثل هذه الهوية الى «أقلية» بالمعنى العنصري، ينظر اليها سياسياً واجتماعيا بنظرة الشك والريب في ولائها الوطني. وقد أصبحت قضية الأقليات في أوروبا مدخلاً الى تدّخل دولة في شؤون دولة أخرى بحجة حماية الأقليات. وهذا المنهج طُبق في علاقة الدول الأوروبية مع السلطنة العثمانية لإضعافها ثم تفكيكها. والجدير بالذكر هنا، أن في تراثنا العربي لا يوجد مثل هذه الثنائية العنصرية الطابع بين أغلبية دينية أو لغوية أو مذهبية، وأقلية مختلفة بالدين أو اللغة أو المذهب، بل لدينا مفهوم «الملة» وهو يؤكد على قبول العرب والمسلمين خلال تاريخهم للتعددية الدينية والمذهبية. أما حذفه من قاموسنا فهو نتاج استيرادنا لإشكاليات التاريخ الأوروبي في ثقافتنا العربية الحديثة المتميزة إما بالاستشراق السياسي المتصل بالحملات الاستعمارية الغربية وبالصهيونية، وإما بالغلوّ الديني كردة فعل سلبية تجاه تأثير الثقافة الغربية في المنطقة، والذي يُنسينا تقاليدنا العريقة الماضية في قبول التعددية الدينية والمذهبية؛ وهو فوق ذلك مناف لجوهر الدين الإسلامي ووسطيته واعتداله.
لذلك فإن امتلاء الجو الإعلامي والتحاليل السياسية باختزال ما أصبح يعتري الأوضاع الثورية العربية من ظواهر عنف ومن الخوف على انها قبلية وعرقية وطائفية ومذهبية لهو بالفعل امتداد لما يحصل في منطقتنا العربية والشرق أوسطية من فتن فتاكة بين أبناء المجتمعات العربية المختلفة لصالح قوى الهيمنة الخارجية والقوى المحلية المحافظة والمتحالفة مع الخارج والمستغِلة في كثير من الأحيان اقتصاديا واجتماعيا لخيرات شعوبنا وهي تقف حجر عثرة أمام إمكانية أي تغيير جذري.
ونحن اللبنانيين يُفترض فينا ان نكون قد وعينا هذه اللعبة القذرة حيث ان لبنان كان أول ضحية لها بين 1840 و1860، عندما قامت كل من فرنسا وانكلترا بتهيئة الجو لمجازر طائفية بالاتفاق مع أعيان الطائفتين المارونية والدرزية لصدّ حركة العاميات الفلاحية التي أصبحت تهز سيطرة هؤلاء المتحالفين مع الخارج. ومن المستغرب فعلا انه برغم تكرار الفتن الداخلية اللبنانية في عام 1956-1958 وبين عامي 1975- 1990 لم نتعلم بعد قواعد هذه اللعبة البشعة لنقضي عليها بشكل نهائي. بل بالعكس، فإننا اليوم نتخذ مواقف متفرقة متباينة متناقضة مما يحصل في سوريا أو البحرين أو اليمن ونحلل في كثير من الأحيان أوضاعها المؤلمة بالمنظور الطائفي المذهبي المحض، بدلا من المساهمة في التحليل الرصين الذي يبتعد عن المقولات المذهبية كمفتاح وحيد، بل أوحد، لتفسير ما يجري فيها.
أما الأحداث المؤلمة والمتصاعدة التي يتعرض اليها المواطنون الأقباط في مصر الذين أصبحوا في جو الحرية الجديدة يطالبون بإزالة القيود على بناء الكنائس وترميمها وعلى حماية الحرية الدينية وأماكن العبادة، ويبدو انه بالرغم من سقوط رأس النظام وأعوانه الرئيسيين فإن لعبة إثارة الفتنة الطائفية في مصر ما زالت سارية كما كان واضحاً من الأحداث التي حصلت في الأيام الأخيرة، كما من الأحداث المتتالية التي أدّت في أحيانٍ كثيرة الى صدامات في الشارع بين عناصر سلفية متعصبة ومتظاهرين من الأقباط وإلى جانبهم مواطنون مسلمون من أنصار الحرية والمساواة. وخلال الأحداث المؤلمة التي حصلت في يومي 9 و10 تشرين الأول/ أكتوبر بين متظاهرين من الأقباط والجيش المصري كان واضحاً ان «البلطجية» لعبت فيها دوراً خطيراً؛ ومن اللافت للنظر ان عدداً كبيراً من الصدامات بين الأقباط والمسلمين تحصل في مناطق ريفية فقيرة حيث هناك شح في الموارد الى جانب وجود عناصر قليلة من السلفيين المتعصبين لا يروق لها وجود مواطنين متأصلين من ديانة غير الديانة الإسلامية. وقد حصل ذلك ايضا في الإسكندرية أكثر من مرة لأسباب غير واضحة أو مفهومة. وبطبيعة الحال يصعب على أي إنسان عاقل ان يفهم كيف أن دولة بسطوة الدولة المصرية وأجهزتها الأمنية الضخمة غير قادرة على حماية أمكنة العبادة القبطية، او لا تتمكن من الحؤول دون تناحر الفقراء من الأقباط والمسلمين في الأحياء الشعبية او الفقيرة من العاصمة أو في الأرياف، فهذه لعبة مكشوفة تُلهي المصريين عن قضاياهم الأساسية وتربك القوى المدنية الثورية وتزيد الطين بلة اذ تظهر الثورة المصرية كأنها مسؤولة عن حالة الفوضى الأمنية واضطهاد «الأقلية» القبطية.
والجدير بالذكر هنا، ان الرئيس «أوباما» عند إلقاء خطابه في القاهرة في شهر حزيران 2009، قد أبدى اهتمامه بحماية «الأقليات» وذكر بالاسم طائفة الأقباط وطائفة الموارنة. وكالعادة كلما يدعي قائد دولة غربية قوية حماية أقلية ما، فهذا يعني تعرضها لعدم الاستقرار والفتنة مع أبناء الطوائف الأخرى، وفي المحصلة مزيد من الهجرة الى الخارج وتبرير السياسات الصهيونية في قمع وتهميش الشعب الفلسطيني ومصادرة أراضيه بحجة حماية الأقلية اليهودية في الشرق الأوسط القاطنة في «بحر إسلامي معادٍ».
اننا ندعو هنا الى وضع شرعة شرف في الإعلام العربي ولدى المثقفين بألاّ يتوغل في منظور تحليلاتهم ونظام إدراكهم التقسيمات الاستشراقية العنصرية الطابع للمجتمعات العربية والإشكاليات الغربية حول الأقليات العرقية والدينية والتعدد الحضاري في المجتمع الواحد. بل من واجب المثقف والمحلل الإعلامي ان يركز على العوامل الاقتصادية والاجتماعية وعلى كبت الحريات المزمن وهي العوامل الرئيسية الموّلدة لظروف العنف في مجتمعاتنا العربية والذي قد يُترجم في بعض الأحيان وبعض المناطق الجغرافية أعمال شغب وقتل تظهر في لباس طائفي أو مذهبي أو ديني او عرقي. وحقيقة مثل هذه الأحداث غير ما تظهر به، وعلينا جميعا ان نقدم على طلب الحرية في الحقل الديني والمذهبي، فالقضية ليست قضية أقلية مسيحية هنا أو أقلية علوية أو شيعية هناك أو سنية في مكان آخر، بل هي أوضاع وضعية موضوعية مختلفة، يزيدها توتراً غياب الحرية الدينية بما فيها حرية الاجتهاد وحرية الإنسان العربي أن يختار دينه ومذهبه ويمارس بعقله حرية الاجتهاد وتجدد الموروث بحيث لا يكبله هذا الأخير، انما يساعده على التحرر من المواطنية المنقوصة والمقيدة للوصول الى مواطنية شاملة يتمكن من خلالها من المساعدة في نهضة مجتمعه وتأمين الحياة الكريمة فيه.
وختاما، لا شك ان الثورات العربية قضية مصيرية لأنها تهدف بالدرجة الأولى الى إطلاق الحريات العامة وتثبيتها بما لا رجعة عنه وتأمين كرامة المواطن ونهضة مجتمعه العلمية والتكنولوجية ليتخلص وطننا العربي من التبعية للخارج والحضارة الناقصة أو المقيّدة وصولاً الى الفكر المتحرر المنتج الخلاّق. أما التحليل الطائفي والمذهبي فهو تأبيد حالة التبعية والوهن والتخلف والتأخر في كل الميادين، بما فيها تحرير فلسطين وإعادتها الى حالة التنوع الديني وحرية الإقامة التي كانت فيها منذ أقدم العصور.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé