مقالات مختارة

مسيحيو المشرق سيحتكمون إلى العقل والمنطق لا إلى خيار بدون أفق - كمال ديب - كندا - النهار   18/09/2011

الدعوات التي توجه للمسيحيين للالتصاق بالانتفاضات العربية الجارية لاسند تاريخيا لها ولا تأخذ في الاعتبار تجربتهم الصعبة في لبنان والمنطقة، إذ يعلم المسيحيون ان الاتكال على الغرب اثبت فشله وقد دفعوا ثمنه باهظا.

وضع الدكتور محمد السمّاك مسيحيي المشرق أمام "خيار مرّ بين الأنظمة الاستبدادية والتطرف الديني"، واعتبر أنّهم "في حيرة من أمرهم ازاء الانتفاضات الثورية التي تثور على أنظمة استبدادية وتحاول استعادة حقوق الانسان العربي في الحرية والكرامة" (محمد السمّاك، "مسيحيو الشرق والانتفاضات العربية" قضايا النهار"، 10 أيلول 2011). ويخلص السمّاك إلى أنّ مسيحيي الشرق "لا يستطيعون من حيث المبدأ إلا أن يكونوا ليس فقط الى جانب هذه الانتفاضات الثورية، بل في أساسها أيضاً"، ويستعرض سوابق تاريخية كان للمسيحيين فيها دور قيادي وأساسي:

"الانتفاضة العربية ضد التتريك.

الانتفاضة العربية ضد الاستعمار الأوروبي (الفرنسي والبريطاني).

الانتفاضة العربية ضد الاحتلال الصهيوني".

 

ثم يحذّر السمّاك المسيحيين من تأييد "أنظمة الاستبداد" لأنّ ذلك "يتناقض مع الادوار التاريخية التي قاموا بها". وكل هذا جيّد ويعكس نيّة حسنة من شخصية فكرية لطالما ناشدت العقل في ملفات الحوار الاسلامي - المسيحي. ولكن لنتمعّن قليلاً في دعوته لدعم الانتفاضات تحت عنوان السوابق التاريخية: فإنّ النهوض العربي ضد التتريك والذي كان فيه مسيحيو المشرق أساساً كان مبنيّاً على الفكر القومي العربي (أو القومي السوري) وليس ثمّة مؤشّر اليوم الى انّ أي تحرّك في مصر واليمن وليبيا وتونس وسوريا يجري على أسس الفكر القومي العلماني. لا بل إنّ الطابع الديني الاسلامي هو الطاغي. والصراع العربي ضد الاستعمار في القرن العشرين قاده رجال من أمثال جمال عبدالناصر في مصر وعبدالكريم قاسم في العراق وأحزاب وحركات قومية عربية يسارية كالقوميين العرب والبعث والشيوعيين والناصريين. أمّا اليوم فنرى الحلف الاطلسي وبعض الدول العربية المتعاملة معه يشارك ويقصف ويضرب وكأنّه هو صاحب هذه الانتفاضات.
وثالثاً وهنا بيت القصيد، يذكر الدكتور السمّاك "الانتفاضة ضد الاحتلال الصهيوني". عند حد علمنا ومتابعتنا المتواضعة لأحداث العالم العربي هذا العام أنّ أيا من هذه التحركات لم يرفع شعار فلسطين وعلم فلسطين. لا بل على العكس، فإنّ من شروط دعم "الثوّار" الاعلامي والمالي واللوجستي كان بالضبط عدم رفع راية فلسطين والابقاء على "الثورة" ضمن نطاق مطلبي ضيّق.

وإلى حين اتضاح الأمور إنّ ما يحدث له فعلاً علاقة بالسوابق التاريخية التي ذكرها الدكتور السمّاك، فعلى المراقب أن ينظر بريبة وحذر إلى ما يحدث. والوضع الآن ليس انتفاضات حقوق انسان وديموقراطية ضد أنظمة استبداد (وما أكثر أنظمة الاستبداد في العالم العربي وخاصة تلك الحليفة لأميركا والتي لا تقوم فيها "انتفاضات")، بل الوضع هو أنّ المنطقة العربية واقعة بين مطرقة غربية تقودها أميركا واسرائيل وسندان شرقي يهدّد المنطقة العربية بالسقوط في قبضة صحوة اسلامية (تبدو متعدّدة الأطياف ولكنّها تصبّ في النهاية في إطار ديني ومذهبي. وثمّة حركات تدّعي الحداثة والليبرالية ومنها الكثير في لبنان سوريا ولكن خلفيتها مذهبية).

أما كيف يدعم الغرب صعود أنظمة إسلامية، فقد انتقد جورج قرم مراراً توصيف الصراع على أنّه بين شرق مسلم وغرب مسيحي، واعتبر ذلك أوهاماً وخرافات(1). إذ ليس ثمّة خلاف حول جوهر الديانتين ولا على الاقتصاد. والعالم الاسلامي بأسره منضو ومتأقلم جدّاً مع النظام الرأسمالي المعولم الذي تتزّعمه أميركا والاستراتيجية الغربية تدعم "إسلاماً معتدلاً" بعيداً عن القومية العربية وعن الفكر العلماني ولا يتبنّى قضية فلسطين. فيتسلّم هذا الاسلام الحكم في العالم العربي إسوة بالاسلام "المعتدل" الذي يحكم تركيا (العضو في الحلف الأطلسي والساعية إلى قيادة المسلمين).

يعلم المسيحيون أنّ الاتكال أو الرهان على الغرب أثبت فشله لأنّه كلما اشتدت الأزمات الاقليمية والدولية، دفع مسيحيّو لبنان والمشرق أثماناً باهظة. فهل يتعلّم المسلمون أنّ الرهان على الغرب وعلى الناتو لن يجلب إلا الخراب والتبعية؟

عامل الزمن هو الخطر الأكبر على مسيحيي الشرق. ففي حين يستطيع المسلمون – نظاماً أو معارضة، شيعة أو سنة، في لبنان وسوريا والعراق - لغلبتهم العددية أن يستمرّوا ويبقوا في البلاد حتى لو استغرقت "الانتفاضات" عقداً أو عقدين وارتفع عدد الضحايا، فليس من ضمانة أنّ مسيحيي المشرق سيصمدون. لا بل سيضعفون ويغادرون وسيخسرهم العالم العرب.

لن يُقدم المسيحيون على خيار لا أساس علميا له و بدون أفق. هم يريدون عروبة منفتحة تسمح بالانتقاد وتحترم الحريّات، عروبة ديموقراطية مدنية بعيدة عن الدين. والمساهمة المسيحية الأساسية في القرن العشرين في لبنان والمشرق كانت في نشر فلسفة الدولة الحديثة القائمة على المساواة والعدل بصرف النظر عن ديانة المواطن. لقد دفع المسيحيون الثمن الكبير من أجل الحريّة والديموقراطية، فهُم (كما رأى المؤرخ جان بيار فالوغن) عملوا "من أجل الوصول إلى مجتمع حديث لكي يعيشوا كأقليات في بيئة اسلامية. فكان عليهم أن ينكروا ذاتهم ويتخلّوا عن خصوصيتهم الدينية، ويقبلوا مقولة المثقفين إنّ خصوصية الجماعة مسألة رجعية(2). ولكنهم بعد 70 سنة من استقلال الدول العربية لم يصلوا إلى الدولة المدنية بعد. ولم تخرج فئة مسلمة مثقفة تقدر على خلق النظام المدني العلماني الديموقراطي، ولم تقدّم الأنظمة العربية تسهيلات ليعيش المسيحيون بكرامة في بلاد ديموقراطية.

الصحوة الاسلامية ناشطة ومتحفزّة في العالمين العربي والاسلامي منذ أكثر من ربع قرن، فأين صوت المثقفين العرب في الانتفاضات؟ وما وزن المسيحيين - ميشال كيلو مثلاً – في التحركات داخل سوريا وهي بلد عدد المسيحيين فيه ضعفا عددهم في لبنان؟ إنّ المثقفين المسلمين الذين حاوروا المسيحيين العرب – ومنهم السمّاك طبعاً - وعملوا سويا نحو مجتمع مدني ديموقراطي هم موضع شك قادة الانتفاضات وأجهزة الإعلام الفضائية. وثمّة عناصر بالغة القوة في هذه الانتفاضات ولا تدين بالديموقراطية.       
صورة الوضع الحالي بالنسبة لمسيحيي المشرق ليست ورديّة. فهم جماعات وكنائس وقيادات ومثقفين يشعرون بقلق كبير على المستقبل. وما تصريحات بطاركة الموارنة والأرثوذكس والسريان وغيرهم اليوم إزاء الأحداث الحالية في سوريا والعراق ومصر ولبنان وفلسطين إلا تعبير عن القلق على المصير (كالبطريرك الراعي والبطريرك هزيم وغيرهما). وتهميش المسيحيين في مجتمعات ذاهبة في الأسلمة، أكانت أسلمة ديمغرافية أو إجتماعية أو ثقافية، يُمكن ترجمته إلى تراجعٍ للديموقراطية والحريات وحقوق الانسان لا العكس.
دعوة المسيحيين للالتحاق بـ"الانتفاضات" لا سند تاريخياً لها ولا تأخذ في الاعتبار تجربتهم الصعبة في لبنان والمنطقة. فماذا كانت الأقليّة المسيحية في لبنان فاعلة عندما اتجّه الشيعة نحو التقوقع والتشدّد في ممارسة الدين والتفاصيل الاجتماعية وعندما اتجه السنّة إلى مذهبة الصراع ودفعه إلى امتدادات سنية-شيعية اقليمية؟ هل كان باستطاعة المسيحيين أن يمنعوا المنحى المذهبي لدى المسلمين باسم الديموقراطية وحقوق الانسان؟ وتأسيساً على هذه التجربة، ماذا سينفع المسيحيين في سوريا إذا رموا بثقلهم في الأحداث من دون ضمانات مدنية وديموقر اطية (سبق وحرّض الغرب الأرمن المسيحيين للانتفاض ضد تركيا أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها فوقعت أكبر مجزرة في تاريخ المنطقة ولم يحرك الغرب ساكناً)؟ وماذا سينفع مسيحيي لبنان في وقت تشتعل النار المذهبية بين السنّة والشيعة تحت أقدامهم؟

المسيحيون سيلجأون إلى التعقّل والمنطق في الموضوع السوري وسيحافظون على لبنان بوضعه الهادىء نسبياً وسط احتمال أن تغرق سوريا في الفوضى أو الحرب الطائفية أو بالتقسيم العرقي والمذهبي الذي قد يمتدّ إلى لبنان والعراق وتتحقّق كوابيس حرب شيعية-سنيّة في المنطقة.

من بين الدول العربية، يبقى لبنان وسوريا نموذجين صالحين لانتعاش تجربة الديموقراطية التعدّدية. وهذا يحتاج إلى تحوّل ديموقراطي هادىء في سوريا واستنباط حلول جديدة للديموقراطية اللبنانية لتزدهر مجدّداً. وما يجب أن يحصل في سوريا هو أن يستمرّ المسار الاصلاحي والديموقراطي لانهاء النظام الشمولي بهدوء بعيداً عن العنف والتدخّل الخارجي والتمويل والتحريض. ومسيحيو الشرق، هم همزة وصل بين الشرق والغرب وبين العالم الاسلامي والعالم المسيحي، ولا يريدون أن يُفرض عليهم الاسلام ديناً أو سياسة ولا أن يجعلهم الغرب أذناباً وعملاء.

 

(1) جورج قرم، شرق غرب الشرخ الأسطوري، دار الساقي.

(2) Valognes, Vie et Mort des Chrétiens d'Orient, p.223 (استاذ جامعي)


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé