مقالات مختارة

في باب الأكثرية والأقلية.. المسيحيون من صنّاع المشترك العربي(1) - فؤاد خليل - السفير   20/10/2011

1ـ السجال مرة اخرى

تنامى السجال مؤخرا حول واقع المسيحيين في البلدان العربية، وبخاصة حول واقعهم في المشرق العربي. ولم يلبث ان تلازم كما الصورة والمادة، مع مقولة الاكثرية والاقلية. ثمّ اختزل مضمون المقولة الى طوائف ومذاهب واثنيات.. الخ. فانقسم الخلق جرّاها واختصموا. ذلك ان نظرهم في الطائفة والمذهب يحيل الى نظر ماهوي يجعل كلاّ منهما كيانا قائما بذاته يتجاور مع الكيانات الاخرى. فيبقى الجميع متعايشا من الخارج, ويبقى الاندماج متعايشا من الخارج، ويبقى الاندماج البنيوي بينها رسالة تتحقق في عالم السماء، لا في العالم الارضي.
وإزاء هذه النظرة يغدو ضروريا ان نتفحّص أرومته الفكرية، لئلا يبقى مقترب الاكثرية والاقلية يتحرك في نطاق البداهات التي ترفض السؤال، وتتفلت من التاريخ، السجل المعرفي لكل قول ينقض الاحكام القيمية والاهواء الذاتية، وينشد الحقيقة الموضوعية كما تتجسد في نصابها التاريخي والمجتمعي في آن.

2ـ توصيفات ماهوية

قلّما يجد المرء كبير عناء، لكي يكتشف ان النظر الماهوي عند بعض مفكرينا وسياسيينا في الطائفة والمذهب، يحاكي الفكر الاستشراقي في نظرته الى الذات الغربية والى الآخر غير الغربي. فهذا الفكر ينطلق من نظرية الطبائع الثابتة عند بني البشر. فتلقاه يرى الى العربي انه يختص بطبيعة تجعله ذا عقل تحليلي وتركيبي في التعامل مع قضايا الانسان والكون والمجتمع. وفي المقابل، يرى الى العربي انه يختص بطبيعة مغايرة تجعله ذا عقل انطباعي وسردي حيث يفتقد القدرة على التحليل والتركيب في علاقته بالظواهر الانسانية والطبيعية. ولطالما كانت الطبيعة ثابتة لا تتبدّل أو تتغير؛ فقد حقّ للغربي صاحب «الطبيعة الارقى» ان يستعلي على الآخر وان يصنّفه وفاق معيار الذات والموضوع، أي ان الغربي هو ذات التاريخ والآخر هو موضوعه، أو بلغة أدّق، انه موضوع الذات الغربية على وجه التحديد... ولذلك لا يعود مستغربا ان نقرأ في بواكير الدرس الانتروبولوجي عن الانسان غير الغربي تصنيفات متنوعة نحو: الغريب ـ المتوحش الطيب ـ غير المدني ـ غير الدولتي... الخ. مثلما لا يعود مستهجنا ان نعثر على اثر ذاك الدرس في تصنيفات ما بعد الحداثة، ايديولوجيا العولمة المعاصرة، للانسان العربي من مثل: الطائفي ـ القبلي ـ العشائري ـ الجهوي...الخ. وهذه كلها تصنيفات ترى الى العربي انه كائن ما قبل سياسي، او ما قبل دولتي، اذ لا يعدو كونه كائنا دينيا أو عصبويا. وتلك كينونته الحقة، وهو لا يستطيع ان يغيرها ما دامت تتصف بالثبات والديمومة.
وهكذا، تتضح الصورة في ان ذاك البعض وقع في حبائل التصنيفات أعلاه. وقد ظهر من خلالها ان للعربي انتماء جوهرانيا يعرف بالانتماء الطائفي. وهو لا يكون كذلك إلا في كيان ماهوي قائم بذاته، اسمه الطائفة أو المذهب. وحالئذ يتطيّف العدد ويصبح معيارا في القسمة العمودية لجهة تحديد حجم الاكثرية والاقلية. وتبعا لمعيار كهذا، يطغى منطق البداهة على ما عداه. ثّم يؤكد بداهته العددية في ان الطائفة السنية تمثل الاكثرية، وفي ان طوائف المسيحيين والشيعة والاسماعيليين والعلويين والدروز...الخ؛ تمثل أقليات في البلاد العربية. ومع مثل هذا المنطق، أو مع تصوير الانقسام البنيوي على هذا النحو، يجري طمس السياسة بصفتها ممارسة في المجال العام؛ كما يجري تعليق التاريخ بصفته دينامية صراعية داخل هذا المجال بالذات.

3ـ مقاربة سو سيوـ تاريخية

واذا كنّا قد بيّنا أرومة التصنيفات الماهوية إلا ان السؤال يبقى ملحا وهو: هل واقع الاكثرية والاقلية هو واقع ماهوي؟ أو بمعنى آخر، هل هو قدر ماهوي ثابت لا مفرّ من أحكامه الطائفية والمذهبية؟
في درس تاريخي قدّمت بلادنا ثلاث تجارب تتصل بموضوع بحثنا وتثبت أن الانقسام البنيوي حين ينتظم على أسس غير طائفية، ينتج مجالا عاما تتشكل فيه الاكثرية والاقلية على قواعد سياسية، أي على قواعد تتيح لتكوين كل منهما ان يضم في بنيته مسيحيين ومسلمين على السواء...
أ ـ في التجربة الاولى حمل محمد علي باشا مشروع بناء دولة حديثة في مصر. وهو ما أخذ يؤسس لنوع من المساواة القانونية والسياسية، ولضرب من الحريات الفردية والعامة. ثم اقتضى المشروع توحيد مصر وبلاد الشام. وحينما وصلت جيوش ابراهيم باشا الى جبل لبنان، انقسم سكان الامارة حينذاك على قواعد غير طائفية. فأيّدت أغلبية المسيحيين مشروع محمد علي، لأنه رفض نظام الملل، ليس بصفته نظاما يستهدف «النصارى» في الاصل؛ بل لكونه نظاما مجتمعيا هرميا يعيق الحرية والمساواة ليس فقط بين المسيحيين والمسلمين؛ بل ايضا بين المسلمين أنفسهم. وفي المقابل دعم معظم الدروز الدولة العثمانية وهم طبعا لا يحوزون مرتبة متقدمة في النظام الملّي العثماني. وما جرى على صعيد الجبل من انقسام غير طائفي، جرى مثله على صعيد البلاد الشامية كلها...
والحال، لقد استولد المشروع التحديثي أكثرية سياسية تتكّون من غير طائفة ومذهب، مثلما استولد أقلية سياسية تتشكل بدورها من طوائف ومذاهب متنوعة. إذّاك لا يعود ممكنا في ضوء هذه التجربة، تصنيف الاكثرية والاقلية بصيغة ماهوية، أي بصيغة تختزل كلاّ منهما الى طائفة من هنا او الى مذهب من هناك...
ب ـ وفي التجربة الثانية تبنى عبد الناصر مشروعا قوميا جامعا. فعمل في ضوئه على كسر علاقات التبعية مع الغرب الاستعماري، أي على تحرير مصر والامة العربية من الهيمنة الغربية، السياسية والاقتصادية والعسكرية؛ وذلك من أجل بناء دولة مستقلة وحديثة تحقق مساحة من العدالة المجتمعية، وتنهض بالامة وتوفّر لها شروط التقدم والوحدة. كما دعم القضية الفلسطينية، وسعى الى تحرير فلسطين من الاستعمار الصهيوني ربيب الاستعمار الغربي، وأداته في حماية تجزئة الامة والسيطرة على ثرواتها ومواردها الطبيعية...
وفي منتصف الخمسينيات، عندما عاش المشروع لحظة زهوه القصوى وبخاصة بعد حرب السويس والوحدة مع سوريا، انقسمت الانظمة والشعوب العربية بين أكثرية وأقلية. وكان انقسامها ذا طبيعة سياسية؛ اذ تشكلت تراكيب كل منهما من طوائف ومذاهب واثنيات ممتدة على مساحة الوطن العربي كله. فقد أيدّت المشروع شرائح واسعة من هذه الجماعات (سنة ـ شيعة ـ دروز ـ مسيحيون ... الخ). وفي المقابل عارضته فئات وازنة منها (سنة ـ شيعة ـ دروز ـ مسيحيون.. الخ). ومن الامثلة الدالة على ذاك الانقسام، ان الرئيس اللبناني الماروني كميل شمعون تحالف مع رئيس وزراء العراق السني نوري السعيد، ومع شاه ايران الشيعي محمد رضا بهلوي من أجل محاصرة المشروع الناصري وإسقاطه؛ وان الرئيس اللبناني الماروني فؤاد شهاب تعامل بإيجابية مع المشروع ووثق علاقاته مع القوى والقيادات السنية والمسيحية والشيعية والدرزية ومع الانظمة العربية التي تدعم الناصرية أو تؤيدها.
هنا يغدو متاحا القول: ان المشروع الناصري من حيث كونه مشروعا قوميا جامعا أنتج أكثرية سياسية عربية من مكونات طائفية ومذهبية مختلفة. وقد شكل السنة ولا ريب جسمها الرئيس. لكن ليس بصفتهم سنة يؤيدون الزعيم السني؛ بل لأنهم يؤيدون القومية العربية ويدعمون القضية الفلسطينية وينشدون الوحدة؛ وإلا لماذا وقف هؤلاء ضد زعماء عرب سنة يناهضون المشروع الناصري؟...
وعلى هذا، فالسنة يشكلون اكثرية حقة من داخل مشروع اكثري سياسي، أي انهم يشكلون اكثرية الاكثرية السياسية. وهم بهذا المعنى يصبحون اكبر من طائفة بكثير، وأصغر من أمة بقليل. لقد أصبحوا في الزمن الناصري الجماعة المرجعية للامة. أما اذا خرجوا من المشروع او عليه، فإنهم سرعان ما يقعون في تمذهب أو في كيانية ضيقة؛ ما يحوّلهم الى اقلية كبيرة تتوّزع على خريطة إسلام سياسي، إما ان يكون إقصائيا، او ان يكون تجزئييا يضرب عميقا في البنى القائمة... والاقليات في الوطن العربي، كالشيعة والمسيحيين والدروز والعلويين...الخ، لا تعود تصنّف لا نظريا ولا واقعيا كأقليات حين تكون منضوية في المشروع التوحيدي سواء كان وطنيا ام قوميا؛ اذ تغدو جزءا عضويا من الاكثرية السياسية حيث تحتجب الاقلية ككيان طائفي أو مذهبي مغلق ومتجاور مع كيانات اخرى؛ وتنقسم في صيغة سياسية بعيدة من الطائفية والماهوية.. وهي لا تعود تملك ان تتوحد في انقسام بنيوي عمودي، أي ان تزدهر طائفيا إلا مع انهيار المشروع الاكثري، ومع تحوّل السنة الى اقلية طائفية كبيرة تتنابذ مع اقليات طائفية صغيرة..
ج ـ وفي التجربة الثالثة، أدى تطور الاوضاع العامة في لبنان بين 1968و1975 الى استيلاد ائتلاف سياسي عريض عرف بالحركة الوطنية اللبنانية. فشكلت الاخيرة طرفا رئيسا في مجرى الصراع المجتمعي وقت ذاك. ثم ما لبثت ان تقدمت ببرنامج مرحلي لإصلاح النظام السياسي. وقد ركز على إلغاء الطائفية السياسية، ودعا الى بناء نظام وطني ديموقراطي يؤسس لدولة مدنية حديثة... وتبعا لذلك، استطاعت هذه الحركة رغم هويتها اليسارية ورئاستها «الاقلوية» ان تخترق بنيان الطوائف كلها؛ اذ حظي تركيبها الائتلافي بدعم فئات واسعة من السنة والشيعة والمسيحيين والدروز... فتحولت اثر ذاك الى مشروع توحيدي تحمله أكثرية سياسية موصوفة؛ ما جعل الانقسام السياسي في البلد ينتظم على قواعد غير طائفية. وفي ضوء هذا الانقسام، لم يعد أيّ مكوّن من الاكثرية يتعرف الى ذاته طائفيا او اقلويا، بل اصبح جزءا من مشروع أكثري بعيدا من اي كيان طائفي أيّا تكن ماهيته او اسمه.
وما يجدر ذكره هنا، ان هذا المشروع جاء في لحظة عربية غير مؤاتية هي لحظة تراجع المشروع الناصري، وتفكك عقد الاكثرية السياسية العربية، أي ان المشروع افتقد أي سند عربي حقيقي. فكان يسيرا على النظام العربي بعد عبد الناصر، وهو نظام كياني ضيق ان يتوافق على ضرب المشروع اللبناني التوحيدي، وان يدعم نقيضه المشروع الكياني. ولذلك كان معبرا بعد ضرب مشروع الحركة الوطنية، ان تنتعش في الحرب وبخاصة في الثمانينيات الطروحات التقسيمية الطائفية، وأحاديث الاكثرية والاقلية، والخوف من المحيط. وهذا محيط قد انزاحت منه الاكثرية السياسية وتحولت أكثرية الاكثرية فيه الى اقلية كبيرة ...
تظهر هذه المقاربة السوسيو ـ تاريخية المقتضبة من خلال تجاربها الثلاث الآتي:
أ ـ ان الاكثرية والاقلية تتحددان على قاعدة الانتظام السياسي، وليس على قاعدة الانتظام الطائفي او المذهبي..
ب ـ لا يشكل العدد معيارا لتصنيف الاكثرية والاقلية إلا اذا كان مطيفا، أي اذا كان محمولا على رؤية طائفية او مذهبية الى الجماعة...
ج ـ يلغي المشروع التوحيدي سواء كان قوميا ام وطنيا العدد المطيف، ويحرر الاكثرية والاقلية من أسر تصنيفه الماهوي للطائفة او المذهب.
د ـ ان المشروع الأكثري العروبي او الوطني، ينتج المجال العام حين يغلب الانقسام الافقي في البنية على انقساماتها العمودية. ثم يحول السياسة الى معيار رئيس في تصنيف الاكثرية والاقلية...
هـ ـ ان مشروع الدولة الحديثة يستولد الاكثرية والاقلية سياسيا، ويخلص العربي من انتماءاته ما قبل السياسية؛ ومن كونه كائنا دينيا أو عصبويا، ويبين قابليته على تغليب انتماء الفرد ـ المواطن على اي انتماء آخر لديه...
و ـ ان واقع الاكثرية والاقلية ليس قدرا ماهويا ثابتا أو مختزلا بايديولوجيا طائفية او مذهبية، بل هو واقع تاريخي متغير وفاق شكل الممارسة السياسية او دينامية الصراع في المجال العام...
(للبحث تتمة)

([) كاتب وأكاديمي ـ لبنان


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé