مقالات مختارة

اعمال المؤتمر الاول لمسيحيي المشرق   27/10/2013

ما هو واقع المسيحيين في المشرق العربي في ظل ما تعرفه الأقطار العربية من ثورات واضطرابات عنفية وغير عنفية سموّها "الربيع العربي". فهل حقًا هو ربيع عربي ينعم به المسيحيون العرب بحريات أوسع وبالمساواة مع مواطنيهم المسلمين في الحقوق والواجبات؟

والسؤال الأكثر أهمية يتناول مستقبل المسيحيين في هذا الشرق العربي والهجرة والنزوح يقعان على المسيحيين بوتيرة كبيرة.

سننكبّ في هذا البحث على الإجابة على هذه التساؤلات ولكن بإستعراضنا الحالة السورية المسيحيّة.

إن بداية البحث في هذا التساؤل يجب أن تتوقّف، أولاً، عند الأحداث المهمة في المنطقة التي أثرت في مخاوف المسيحيين على وجودهم ومستقبلهم. ومن ثم ننتقل إلى الإطار السياسي العام الذي يثير مباشرة مخاوف المسيحيين، وعنيتُ بذلك الإنتفاضات العربية الراهنة، ومنها إنتفاضة السوريّين.

أحداث المنطقة وتأثيرها على مخاوف المسيحيين
ان الأبرز والأهم في أحداث المنطقة وتطوراتها، التي أثّرت على مخاوف المسيحيين على وجودهم ومستقبلهم يمكن رؤيته في أربعة تطورات أساسية:

أولاً: أوّل هذه التطورات ما أحاط بالوجود المسيحي في فلسطين، حيث أدّت سياسة إسرائيل وسط صمت إقليمي ودولي إلى تهجير وطرد أغلب المسيحيين خارج وطنهم، بمن فيهم مسيحيو القدس. ولقد تمّ تمرير تلك السياسة وسط أقل قدر من الضجيج وبأساليب استطاعت من خلالها إسرائيل تمرير سياساتها من دون أن تترك ردود فعل إقليمية ودولية معترضة ورافضة لعملية إبعاد وتهجير الفلسطينيين.

ثانيًا: وكان التطور الثاني ممثلاً بما حدث في لبنان من مجريات حرب أهلية بين عامي 1975و1990 والتي لبست في أحد التعبيرات طابع حرب بين المسيحيين والمسلمين.

وقد أدّت في نتائجها إلى إعادة صياغة الواقع اللبناني وتوازناته الدينية والطائفية، وكان من نتائجها إضعاف موقع المسيحية السياسية وخروجها من موقع القيادة الأولى للتوزع حول محوري المسلمين السنّة والشيعة.

ثالثًا: أما التطور الثالث فكان بروز التطرّف والتحريض الديني في العديد من دول المنطقة مع بداية السبعينات، وتصاعده بدعم ظاهر وضمني من أجهزة وهيئات رسمية في العديد من الدول. وقد أدّى هذا التطّور إلى إحتقانات وصدامات في العديد من الدول بين المسلمين والمسيحيين على نحو ما صار إليه الوضع خاصة في مصر والسودان، حيث توجد أعداد كبيرة من المسيحيين في عداد مواطني البلدين.

رابعًا: والتطور الرابع يمثّله ما حدث في العراق بعد الحرب الأميركية عليه في عام 2003 والتي كان من نتائجها استهداف المسيحيين هناك. وهي عملية غلبت عليها الطبيعة الإجرامية، وإن لم تخلُ من أسباب دينية – طائفية. وكان من نتائجها تهجير وإبعاد قسم كبير من مسيحيّي العراق خارج وطنهم في خطوة تكاد تماثل ما أصاب المسيحيين في فلسطين.

وسط تلك التطورات يمكن فهم الأساس في مخاوف وخوف مسيحيي سوريا على وجودهم ومستقبلهم.

غير أنه لا ينبغي الذهاب بعيدًا حول تأثير هذه التطورات، لأن مسيحيي سوريا لم يتأثروا بصورة مباشرة بما نتج عن تلك التجارب والوقائع، بل إنهم على العكس، استطاعوا ليس الحفاظ على استقرار أوضاعم وحسب، بل رؤية مجموعهم السوري وهو يقدم الدعم والمساندة لأخوانه من مسيحيي فلسطين ولبنان والعراق ويحتضنهم في محنتهم، ويساعدهم على تجاوز بعض ما أحاط بهم، فقدّم موئِلاً آمنًا لكل من قصده من مسيحيي الجوار.

إنما هذه الأحداث طبعت في أذهان جميع المسيحيين العرب صورة عمّا يمكن أن يحلّ بهم يومًا من الأيام.

إلى هذه الأحداث التي أثرّت على وضع المسيحيين في المنطقة العربية، نصل الآن إلى الإطار السياسي الراهن في منطقتنا، وعنيت به الإحتجاجات الشعبية على الأنظمة العربية وما رافقها من أحداث ونتائج ومن تلك الإحتجاجات ما يجري الآن في سوريا.

ماذا يُخشى من مصير هذه الثورات؟

1)    يُخشى أولاً أن تؤدي إلى خلق دويلات ضمن الدولة التي كانت واحدة.

2)    يُخشى ثانيًا أن تصل إلى السلطة الجديدة الحركات المؤدلجة والجماعات المنظمة

وبالتحديد الأخوان المسلمون والسلفيّون.

والخشية هي بحلول خريفٍ ثانٍ (وليس ربيعًا) بعد خريف الإستبداد عنوانه الحكم الديني، أو الحكم الذي يتوسّل الدين لفرض نفسه وشريعته على كل الناس. هذا ولنا في المثال الإيراني شاهد على مثل هذا الإحتمال. فقد تمّ بعد انتصار الثورة الإيرانية إقصاء كل الأحزاب والتيارات اليسارية والمدنية التي شاركت في صنع الثورة من أجل إقامة دولة "ولاية الفقيه" التي تأخذ شرعيتها كما تدّعي- من السلطان الإلهي لا من أي مصدر آخر. هذا، وإن ما تعِدنا به الدولة الدينية هو حلول الدولة الثيوقراطية (الحاكميّة الإلهية أو الحكم بإسم الله وعلى أساس الشرع الديني) محل الدولة الأوثوقراطية (التي تستمد سلطتها من ذاتها)، أو الدولة الديكتاتورية.

3)    يُخشى ثالثًا، مع تعدد الأحزاب، ومع تداول السلطة أن يحل محل الزعيم حزب الأكثرية وايديولوجية الأكثرية ويُقضى من جديد على الديمقراطية والتعددّية.

ما هي انعكاسات هذه الأوضاع على مسيحيي المشرق العربي؟

1)    الإنعكاس الأول هو طغيان تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل يعود فيه نظام أهل الذمة ولو بطريقة مقنعة.

2)    الإنعكاس الثاني هو ازدياد ظاهرة هجرة المسيحيين إلى الغرب. ويأتي هذا الأمر من تهميش دور المسيحيين وتقليل اشراكهم في الحياة العامة في أوطانهم.

3)    الإنعكاس الثالث هو حصول ضغوطات على الحرية الدينية لدى المسيحيين (طقوس – أحوال شخصيّة) وحتى على الحريات العامة.

4)    إن مسيحيي المشرق العربي يعانون مخاوف عديدة وكبيرة مما قد تفضي إليه الثورات العربية الراهنة. فبسبب عدم وجود بديل واضح أو حتى مجرّد تصّور راجح لِما بعد النظام الإستبدادي الذي ينتفض الناس للتخلّص منه، يخاف المسيحيون العرب من أن تكون هذه الإنتفاضات رافعة لقوى إسلامويّة متطرّفة للوصول إلى السلطة.             إن لهذا القلق ما يبررّه. وما حدث في العراق وفي مصر وفي معلولا - إلى حدّ ما من عدوان على المسيحيين – يبرّر قلق المسيحيين على مصيرهم، كخطف المطرانين الجليلين يوحنا ابراهيم وبولس اليازجي وتدمير أو تخريب أكثر من ستين كنيسة في مصر.

إن هذا التخّوف عند المسيحيين يدفع هؤلاء لمنطق يشجعهم أو يبرّر سلوكهم في قبول الضرر الأقلّ لمنع وقوع الضرر الأكبر.

ماضي وحاضر ومستقبل المسيحيين السوريين

إننا لا نستطيع أن نعزل مستقبل المسيحيين السوريين عن حاضرهم وماضيهم. فخبرة الماضي تلعب دورًا في تحديد رؤيتهم لأنفسهم ومستقبلهم، وكذلك التعامل مع تحدّيات الحاضر يؤشّر إلى معالم مستقبلهم. لهذا السبب فإننا سوف نلقي نظرة إلى خبرة الماضي وإلى تحديات الحاضر قبل الوصول إلى إستشراف المستقبل.

سوريا مهد المسيحية

ينظر المسيحيون السوريون إلى بلادهم بوصفها مهد المسيحية، والأرض التي شهدت انطلاق هذه الرسالة في أرجاء المسكونة. فبولس الرسول الذي أتى من طرسوس في أقصى شمال سوريا القديمة، اهتدى في دمشق.

وعند تأسيس الكراسي الرسولية، كانت أنطاكية، عاصمة سوريا القديمة، هي الكرسي الأول ومقر الكنيسة الأم التي انبثقت منها كل الكنائس الشرقية في ما بعد.

ولكل ذلك، يرى السوريون المعاصرون أنهم الأصل في المسيحية. وأنهم ليسوا طارئين على بلد ما تزال الآثار المسيحية فيه حتى اليوم، تعلن عن نفسها في كل مدينة كبيرة وفي كل قرية نائية، على الرغم من أنهم لم يعودوا يشكلون نسبة يعتدّ بها في موطنهم نتيجة الهجرة المتزايدة بينهم، وقلة عدد الولادات، والعزوف عن الزواج، وسؤ الأحوال الإقتصادية.

المسيحية اذن هي ديانة سكان سوريا منذ القرن الأول، حيث كان سكان نصفها الشرقي وغرب العراق قبل الفتح الإسلامي من القبائل العربية الصرفة التي هاجرت من الجزيرة العربية. فقد كانت مملكة غسّان (جنوب سوريا) ومملكة المناذرة (جنوب غرب العراق) مشكّلة من قبائل عربية معروفة، كما سكنتها قبائل تنوخ وتميم وتغلب وكلب وغيرها وكانت جميعها تدين بالمسيحية.

وسهّلت هذه القبائل دخول العرب والإسلام إلى بلاد الشام وبين النهرين. وساعدت العرب على هزيمة الحكم البيزنطي في سوريا (معركة اليرموك)، والفارسي في العراق (معركة القادسية)، وقد اعتمدت الدولة الأموية في القرن الأول لمجيء الإسلام على المسيحيين لتعريب إدارة الدولة وكان لهم حظوة لدى الدولة الأموية.

كان المسيحيون في سوريا يشكلون أغلبية السكان منذ الفتح العربي الإسلامي وحتى الحروب الصليبية ففي الدولة الأموية لم تتجاوز نسبة المسلمين العشرة في المائة. غير أن الحروب الصليبية وما جرّته من ويلات على المنطقة، ثم حروب المغول والتتر جعلت هذه النسبة تنقلب رأسًا على عقب.

تعايش المسيحيون مع الدولة الإسلامية طوال القرون الأربعة الأولى من مجيء الإسلام (من القرن السابع حتى الحادي عشر ميلادي). وأعطيت لهم جميع الحقوق المدنية لكنهم لم يحصلوا على الحقوق السياسية كالمسلمين. وساءت أحوالهم بعد الغزو الصليبي (نهاية القرن الحادي عشر) اذ اتّهموا من الصليبيين بمساعدة الإمارات الإسلامية، ومن المسلمين بمساعدة الصليبيين. وبينما كانت نسبة أعدادهم تشكّل 90 بالمئة من السكان طوال القرن الأول بعد مجيء العرب المسلمين، تناقص إلى النصف عند الغزو الصليبي، ثم بدأ ينقص بسبب تحوّلهم إلى الدين الإسلامي إما دفعًا للظلم أو سعيًا وراء المكاسب المحصورة بالمسلمين فقط. وزاد الظلم عليهم أيام حكم المماليك (من نهاية القرن الثاني عشر حتى بداية القرن السادس عشر). وتغيّرت أحوالهم نسبيًّا نحو الأفضل أيام الحكم العثماني. ثم ساهموا في القرنين التاسع عشر والعشرين في حركة النهضة العربية والعمل ضد الأمبراطورية العثمانية، فلعبوا دورًا هامًا في النهضة الثقافية والسياسية العربية كفتح المدارس، وإحياء اللغة العربية، وإصدار الصحف، وتأسيس الجمعيات ... إلخ. والأهمّ في تأسيس الجمعيات السياسية العربية مع المسلمين والمطالبة باللامركزية وبجعل اللغة العربية رسميّة في إدارة الدولة والمحاكم وغيرها.

مشكلة نسب وأرقام عدد المسيحيين السوريين عشية الإنتفاضة السورية

ما هي، اليوم، نسبة عدد المسيحيين السوريين بالمقارنة مع نسبة عدد سكان سوريا؟ وما هو تعداد كل مذهب؟

تتفاوت الأرقام التي تتحدث عن نسب المسيحيين وأعدادهم في سوريا بسبب عدم وجود إحصائيات رسمية دقيقة تستند إلى سجلات النفوس، لأن سوريا أزالت الديانة من الخانة منذ استقلالها عن الانتداب الفرنسي.

وعلى الرغم من ذلك يمكن القول أن هذه النسب والأعداد ترتبط بالأوضاع السياسية السائدة، بدءًا من الحرب العالمية الأولى التي شهدت أكبر عملية نزوح لمسيحيي سوريا الكبرى إلى الأميركيتين وأستراليا، مرورًا بالوحدة السورية – المصرية، إلى عدوان عام 1967، إلى حقبة الثمانينات...

وتشير بعض التقديرات إلى أن المسيحيين السوريين شكلّوا عشية الإنتفاضة السورية الراهنة ما نسبته 10 في المائة من مجموع السكان، ويتوزعون كما يلي:

  1. الروم الأرثوذكس، وهم الطائفة الأكبر من مسيحيي سوريا، ويعدّون 500،000 نسمة، أي 3 في المائة من سكان سوريا.
  2. الأرمن الأرثوذكس، وعددهم 350،000 نسمة، أي حوالي 2 في المائة.
  3. الروم الكاثوليك، ويبلغ عددهم 190،000 نسمة، أي حوالي 1 في المائة.
  4. السريان الأرثوذكس، وعددهم 180،000 نسمة، أي حوالي 1 في المائة.
  5. الموارنة، وعددهم حوالي 100،000 نسمة أي 5، 0 في المائة.
  6. السريان الكاثوليك وعددهم 706،000 نسمة، أي حوالي 4، 0 في المائة.
  7. الأرمن الكاثوليك وعددهم 70،000 نسمة، أي حوالي 4، 0 في المائة.
  8. البروتستانت وعددهم 40،000 نسمة، أي 2، 0 في المائة.
  9. اللاتين وعددهم 25،000 أي 1، 0 في المائة.
  10. الكلدان وعددهم أقلّ من 25،000 نسمة.
  11. الآشوريون وهم أقلّ من 25،000 نسمة.

غير أن تقديرات أخرى تتحدث عن نسبة أقلّ لا تتجاوز 8 في المائه من مجموع السكان. إلاّ أن النسبة الدقيقة الوحيدة التي بقيت في السجلات الرسمية هي نسبتهم عشية جلاء الانتداب الفرنسي عن سوريا عام 1946، اذ كانوا يشكلون في ذلك الوقت 20 في المائة مجموع السكان، ويتوزعون على كامل التراب السوري، فلا توجد مدينة سورية صغيرة أو كبيرة إلاّ وفيها حي أو أكثر للمسيحيين.

ويؤكد الباحثون في تاريخ سوريا الحديث، أن هذه النسبة كانت أكبر بكثير قبيل الحرب العالمية الأولى عام 1917 وربما كانت أكثر من 40 في المائة نظرًا للهجرة الواسعة إلى الأميركيّتين أيام سفر برلك. ويشير هؤلاء الباحثون إلى أن عدد المتحدرين من أصول سورية مسيحية في الأرجنتين والبرازيل وباقي دول أميركا اللاتينية يتجاوز الـ 15 مليون نسمة.

أمّا مع إندلاع الثورة السورية، أو الإنتفاضة، فقد هجر المسيحيون السوريون موطنهم بأعداد كبيرة جدًا. وقد سهلت بعض السفارات الأجنبية لجوء المسيحيين إلى بلدانها. أما لبنان فقد إستقبل حتى مدّة قريبة أكثر من أربعين ألف سوري مسيحي على الرغم من عدم دقّة الأرقام لأنه لا توجد إجابة موضوعية دقيقة.

يقول الباحث تيسير خلف: "يقف المراقب حائرًا في تفسير ظاهرة هجرة المسيحيين السوريين (قبل إندلاع الإنتفاضة) حيث لا يوجد في سوريا ايّ نوع من الإضطهاد الديني للمسيحيين، ولا توجد أية قوانين جائرة خاصة بهم يمكن أن تدفعهم إلى طلب اللجوء الإنساني، كما أنه لا توجد أية قيود على بناء الكنائس أو المدارس أو المعاهد المسيحية، بل على العكس، هناك من يتحدث عن تسهيلات تتعلق بإعفاءات من الضرائب والرسوم".

ويقول الكاتب أنطوان سعد: "المفارقة في واقع المسيحيين في سوريا هي أنهم يتمتعون نظريًّا وعمليًّا بوضع جيد نسبيًا قد يحسدهم عليه عدد كبير من مسيحيي الدول العربية، ومع ذلك فإن ميلهم وإقدامهم على الهجرة لا يقلان عن المنحى السائد في هذه الدول. ذلك أن وجودهم في دولة لا تزال تحمل عناوين وشعارات علمانيّة، على رغم موقع الدين الإسلامي الأساسي في الدستور السوري وفي قلب الحياة اليومية للسوريين، وفي ظل نظام يسيطر عليه حزب البعث غير المتشدّد دينيًا، وإنما سياسيًا وأمنيًا، لا يجعلهم عرضة للإستهداف السهل من جانب القوى الإسلامية المتطرفة، كما هي الحال في معظم الدول العربية. غير أن القلق على الوجود والحضور والحنين إلى الدور يقضّ مضجعهم ويجعلهم يلتمسون أي فرصة تؤمن لهم ولأبنائهم مستقبلاً آمنًا وحياة كريمة بعيدًا عن تعقيدات العالم العربي وأزماته المستعصية".

ويبقى السؤال: "لماذا يهاجر المسيحيون من سوريا؟ فمن حيث المبدأ تُعدّ سوريا بلدًا مستقرًا أمنيًّا أكثر من اللازم أحيانًا. وهناك مقدار كبير من المساواة أمام القانون. وهناك فرص للمسيحيين للإنخراط في الحياة العامة.

وهناك ثقة متبادلة في كثير من الأحيان بين المسلمين والمسيحيين. وتقليديًا تتميّز العلاقة بينهم بالإنفتاح والثقة المتبادلة. ولا يحدث، إلا نادرًا، تعديات على بيوت العبادة أو المصالح أو المؤسسات المسيحية. وهناك قوانين الأحوال الشخصية التي تنظم الحياة الخاصة بكل طائفة من الطوائف المسيحية. بإختصار، ليس هناك ما يدعو بشكل مباشر إلى الهجرة. ومع ذلك، يهاجر المسيحيون بشكل حثيث بطيء ولكن متواصل ولذلك تحيّرنا هذه الظاهرة جميعًا".

إذن، ظاهرة الهجرة إلى الخارج تستنزف المسيحيين السوريين على الرغم من أوضاعهم الجيّدة. وفي ما يخصّ الأوضاع الجيّدة، لمسيحيي سوريا يمكن القول إن المسيحيين السوريين ينفردون اليوم عن أقرانهم في الدول العربية الأخرى (بإستثناء لبنان) بأنهم موجودون في قلب النظام السوري إضافة إلى تمثيلهم في مجلس النواب حيث يشغل النواب المسيحيون السوريون 17 مقعدًا من أصل 252، ومجلس الوزراء الذي يضم ثلاثة وزراء مسيحيين.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن المسيحيين السوريين ينسجمون إلى أبعد الحدود مع الطروحات العروبيّة التي يتبناها الحزب الحاكم في سوريا الذي يبرر نظام الحزب المهيمن من خلال تبنّيه لطروحات وشعارات وتطلعات قومية، ومن خلال التمسك بدور الممانعة لأشكال التطبيع مع إسرائيل التي تلقى تجاوبًا واسعًا في الشارع الإسلامي في جميع الدول العربية على رغم سياساتها الرسمية المتباينة في هذه القضية الدقيقة.

إن السبب الرئيسي لفراغ القرى المسيحية في الجزيرة هو السبب الاقتصادي، إذ أن معظم أهالي الجزيرة وأغلبيتهم من السريان الأرثوذكس شكلوا نسبة 40%، الأربعين في المائة، أواخر النصف الثاني من القرن الماضي.

فهل أن أسباب الهجرة تنحصر بالسبب الإقتصادي. ان السبب الإقتصادي هو أساسي بدون شك ولكنه ليس هو لوحده السبب الذي يدفع مسيحيي سوريا إلى الهجرة.

يتحدث الأب بيار مصري عن سبب من أسباب الهجرة يسمّيه: "الهجرة الإستباقية". ويشرح هذا النوع من الهجرة بقوله:

"الهجرة الإستباقية حيث عرف المسيحيون في سوريا موجات متتالية من الهجرات ابتداء من بداية القرن العشرين كهجرة الأرمن ثم هجرة السريان وهجرة الآشوريّين بعد الحرب العالمية الأولى وبعد هروب موجات من الفلسطينيين في أثناء الحرب اللبنانية المشؤومة وأخيرًا الموجات العراقية التي حملت معها عددًا كبيرًا من الروايات. فالمهاجرون يحملون معهم رواياتهم عن فظائع التهجير والتشرّد والتعدّيات وما إلى ذلك. كل هذا يحضر في وجدان الناس ويدعوهم إلى التفكير بنوع من الهجرة الإستباقية، حيث يقول البعض: دعونا نهاجر بكرامتنا قبل أن نُدفع إلى الهجرة القسرية".

لا شك ان التحولات الإقتصادية في المرحلة التي سميت بالتحول الإشتراكي وما رافقه من تأميم واستيلاء على المؤسسات الاقتصادية المختلفة والتربوية والمصرفية، لها وجه ايجابي وأيضًا وجوه سلبية أدّت إلى هجرة من الريف إلى المدن ومن المدن إلى الخارج.

ومن عناصر دوافع الهجرة أيضًا نذكر التدهور في المستوى التعليمي والتربوي، والرشوة والفساد الداخلي. وعلى الصعيد الكنسي التقوقع في المذهب والطائفة وضعف الحركة المسكونية بحيث ان المسيحي بات يشعر بأن طائفته أضيق من أن تتسع لآماله وتطلعات وجوده.

مخطط غربي مرسوم؟!

يعتقد العديد من المثقفين السوريين أن إفراغ المسيحيين من المنطقة هو مخطط غربي يهدف إلى القضاء على ثقافة التنّوع والإختلاف في المنطقة، وتكريس نمط من الثقافة الأحادية المتحجرة، ومنع التواصل الحضاري بين دول المشرق العربي التي كان المسيحيون يلعبون دورًا مهمًّا فيه.

والفكرة السائدة لدى النخبة الثقافية السورية ترى أن بقاء المسيحيين في المشرق العربي هو ترسيخ لفكرة الدولة العصرية والتنوّع الثقافي والتعددية والديمقراطية، ومنع استنزاف الطاقات العلمية والفكرية والثقافية في منطقتنا، وأن المشهد العربي كله سيختلف حضاريًا وإنسانيًا مع هجرة المسيحيين، وسيصبح أكثر فقرًا وأقل ثراء لو أن هجرة المسيحيين تُرك أمرُها للتجاهل والتغافل وللمخاوف، حسب تعبير محمد حسنين هيكل، الذي يضيف قائلاً: "أية خسارة لو أحس مسيحيّو الشرق أن لا مستقبل لهم ولأولادهم فيه، ثم بقي الإسلام وحيدًا في المشرق لا يؤنس وحدته غير وجود اليهودية الصهيونية في إسرائيل؟".

من مخاطر الهجرة المسيحية

يؤكد الباحث منير درويش "أن الهجرة الواسعة للمسيحيين العرب تشكل أحد أهم المخاطر التي تواجهها المنطقة، وذلك بسبب الدور الثقافي الذي يلعبه هؤلاء المسيحيون بوصفهم حلقة وصل بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية، واستيعابهم وتفهمّهم لكلتا الثقافتين وفتح امكانية الحوار بينهما. ولا يمكن القول ان هذه الصلة ناتجة عن ارتباط ثقافة المسيحيين في المشرق بثقافة الغرب، بل لتأثير هذه الثقافة في رؤية الغرب لهذا الشرق الذي تتسم غالبًا بالسلبيّة والنظرة وحيدة الجانب المتمثلة بكونه مصدرًا للإرهاب، ومصدرًا للمواد الخام والثروة. لقد مارست الثقافة المسيحية المشرقية على مدى تاريخها تأثيرًا متبادلاً بين الثقافتين الإسلامية والمسيحية الغربية. ولعبت دورًا في عقلنة التطرف لدى الثقافتين وتفاعلهما بعضهما مع البعض الآخر على الرغم من الظروف القاسية التي تعرّضت لها بسبب هذا الدور".

ما العمل؟

ماذا يمكن للمسيحيين السوريين والمسيحيين العرب الآخرين فعله لكي يضمنوا بقاءهم في أوطانهم وممارسة رسالتهم؟

1)    قد يكون من الخطأ أن تقف الكنائس، بسلطتها الرسمية، ومنذ الآن ضدّ الأنظمة الجديدة القادمة. قد يكون موقف الحياد هو الأكثر حكمة وأحيانًا موقف الموالاة حسب القضايا والحالات.

2)    غير أن المبائ المسيحية تتناقض والاستبداد العلماني والديني على السواء. وإذا تاق المسيحيون إلى الخلاص من نظام إستبدادي فهذا لا يعني أنهم يتوقون إلى نظام إستبدادي آخر لا يقل ظلاميّة عن الأول. لكن المبادئ المسيحية لا تجد نفسها منسجمة إلاّ مع الدولة المدنيّة العلمانية التي تفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، وتحترم الحريّات وحقوق الإنسان.

3)    من الضروري أن تشجع الكنائس الهيئات المدنية على تعميم الإنتماء بالمواطنة وبالتالي الخروج من الإنعزال ومن الغيتو ومن التعصب الطائفي والمذهبي.

4)    من الضروري أن تعمل الكنائس كل ما في وسعها لإيقاف ظاهرة الهجرة إلى الخارج وذلك بخلق مشاريع عمل وتسهيل مسألة السكن مستخدمة لذلك ما تملك من أوقاف.

5)    من المفيد أن تشجع الكنائس مؤمنيها العلمانيين على الإنخراط بالشأن العام من خلال الدخول في وظائف القطاع العام، وممارسة السياسة، والالتزام بالقضايا الوطنية والقومية.

6)    إن المسيحيين العرب هم مشاركون فعليون، لا بل روّاد، في الحركات النهضوية والإصلاحية والثورية في العالم العربي.

وثمة سوابق في التاريخ الحديث لعب فيها المسيحيون العرب الدور الريادي، ومن تلك السوابق:

أ‌-       الإنتفاضة العربية ضد التتريك، في نهاية الإمبراطورية العثمانية، وقيادة حركة النهضة العربية الحديثة.

ب‌-           الإنتفاضات العربية ضدّ الإستعمار الأوروبي ( لا سيّما الفرنسي والبريطاني).

ج- الإنتفاضات العربية ضدّ الإحتلال الصهيوني.

7)    هذا، وعلى المسيحيين العرب أن يسعوا لإقامة تحالف مع المسلمين المتنّورين لوضع عقد إجتماعي إسلامي – مسيحّي عربّي، يقيم الدولة المدنيّة ويحترم الحقوق الدينية ويرسي قواعد المساواة في المواطنة.

8)    مستقبلنا بأيدينا. لقد اعتادت المجتمعات الشرقية والعربية أن تضع مصائرها بأيدي غيرها. ان مستقبل المسيحيين السوريين وأيضًا العرب الآخرين بأيديهم، بمعنى أنه من الضروري أن نكفّ عن النظر إلى الآخرين منتظرين النجاة من غيرنا. لقد حان الوقت أن نرى أنفسنا بعيوننا وليس بعيون الآخرين، وأن نطوّر حضورًا مسيحيًا حقيقيًا في مجتمعنا. خلاصنا يأتينا من داخل أنفسنا وليس من غيرنا.

9)    التحدي الداخلي: نكون معًا أو لا نكون. التحدي الكبير الذي يواجهنا والذي يتحكم هو أيضًا بمستقبلنا هو انقساماتنا. لا يمكن أن نطور في هذا الشرق حضورًا مسيحيًا حقيقيًا إلاّ إذا فكرنا معًا وصلينا وعملنا معًا. بالطبع، لا نقصد من هذه الدعوة إلى تشكيل جبهة ضد، بل أن نكون معًا من أجل مجتمعنا. من هنا الشعار الذي أصبح موضع تداول:"في الشرق، نكون مسيحيين معًا أو لا نكون".

10)        الحوار مع المسلمين. إن العيش المشترك مع المسلمين هو من إرادة الله علينا وعليهم. لا نستطيع أن نطور حضورًا مسيحيًا في الشرق إلاّ بالتحاور والتواصل مع المسلمين.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé