مقالات مختارة

اعمال المؤتمر الاول لمسيحيي المشرق   27/10/2013

للمسيحيين المشرقيين الدور الريادي في نشر التعليم والثقافة والحداثة في المشرق العربي ذو الغالبية المسلمة وذلك من خلال تأسيس وانتشار دور التعليم والطباعة. فالتعليم كان المدماك الاساسي لتقدم ورقي الشعوب خصوصاً منذ بدايات عصر النهضة في اوروبا، وقد قام المسيحيون المشرقيون بلعب دور ريادي في نهضة شعوب المشرق ذو الغالبية المسلمة ثقافياً تربوياً واقتصادياً.

بداية تعميم التعليم تعود الى القرن السابع عشر تاريخ تأسيس المدارس الكاثوليكية بمبادرة من الفاتيكان ونزولاً عند رغبة الكنيسة المارونية برئاسة البطريرك الماروني يوحنا مخلوف خريج المدرسة المارونية في روما خلال عهد فخر الدين الثاني وبتأثير من عصر النهضة والانوار الاوروبي وذلك لتعليم المسيحيين في لبنان وسوريا وفلسطين وقبرص. وقد اسست اول مدرسة في دير سيدة حوقا في اهدن وتلتها مدارس اخرى وتم التوافق على ان يدير هذه المدارس خريجو مدرسة روما المارونية التي تأسست في اواخر القرن السادس عشر على يد البابا غريغوريوس الثالث عشر والتي ساهم خريجوها من الاكليريكيين والعلماء في نشأة ونشر الفكر النهضوي في الشرق وتعريف الغرب الى حضارة الشرق وانطلاق الحداثة عبر التعليم من خلال المدارس التي انشأوها والطباعة كما ساهمت مؤلفاتهم وترجماتهم ودروسهم في نهضة المعارف وانتشار التعليم في لبنان. ومن اللافت ايضاً تكريس مجانية التعليم والزاميته في المجمع اللبناني الذي عقدته الطائفة المارونية سنة 1736 الذي ادى الى انتشار التعليم بشكل واسع في جبل لبنان وارسى قواعد نهضة فكرية ثقافية مميزة في الشرق. ومن ابرز المدارس التي نشأت بعد المجمع اللبناني مدرسة دير عين ورقة التي اتبعت مناهج مدرسة روما المارونية والتي اعتبرت اول مؤسسة للتعليم العالي في لبنان قبل مؤسسات الارساليات التبشيرية الاميركية والفرنسية.

من بعد حملة نابليون على الشرق توافدت الارساليات الدينية الغربية وعملت على انشاء مدارس مميزة  في جبل لبنان لا يزال معظمها يعمل حتى اليوم، وكانت مدرسة عينطورة اول مدرسة اجنبية في المشرق بادارة اليسوعيين وثم اللعازاريين. من هذه الارساليات، نذكر اليسوعيون الذين اسسوا  مدرسة عينطورة، ومدرسة الجمهور، وجامعة القديس يوسف؛ اخوة المدارس المسيحية الذين وصلوا الى لبنان عام 1886 واسسوا المدارس التابعة لهم "الفرير" في معظم المناطق اللبنانية واولها في طرابلس؛ الرهبان الكبوشيون الذين اسسوا عدة مدارس منها مدرسة مار فرنسيس في الحمراء ومدرسة مار انطانيوس في بعبدات ومدرسة صناعية في عبيه؛ والكرمليون وراهبات المحبة اللعازاريات الذين اسسوا مدراس عدة في مختلف المناطق اللبنانية اشهرها في بيروت سنة 1874 والمعروفة تحت اسم مبنى اللعازارية في وسط بيروت اليوم؛ الاخوة المريميون الفرنسيون الذين بدوأ بتأسيس المدارس في لبنان منذ 1869؛ راهبات الناصرة الذين اسسوا اول مدرسة كاثوليكية للاناث وغيرهم من الارساليات الذي لا يتسع الوقت لذكرهم كلهم.

في الوقت نفسه وصل الانجيليون الى لبنان بداية القرن التاسع عشر وعملوا على ترجمة الكتاب المقدس من اللغات الاصلية الى اللغة العربية واسسوا الجامعة الاميركية في بيروت عام 1866 والتي كانت تعرف آنذاك بالكلية الانجيلية السورية، كما اسس الانجيليون عام 1835 اول مدرسة لتعليم الفتيات في كل مناطق نفوذ السلطة العثمانية أي ما قبل الارساليات الكاثوليكية التي سميت في ما بعد بBUC، وفي العام 1994 اصبح اسم الجامعة LAU أي الجامعة اللبنانية الاميركية. ومن الملاحظ ان الإنجيليين كان لهم دور في تأسيس ما لا يقل عن اربعة جامعات من اصل 11 جامعة معترف بها خارج لبنان، كما يوجد في لبنان اكثر من 30 مدرسة انجيلية ومعهم دخلت اللغة الانجليزية وانتشرت في كل المناطق.

تجاه النشاط البروتستانتي والكاثوليكي تحرّكت السلطات الأرثوذكسيّة وكانت تحت هيمنة اليونان، ونظراً لعجزها لتلبية رغبات شعبها في إنشاء المدارس لجأت إلى الكنيسة الروسيّة لتمدّ لها يد المساعدة. وفي عام 1859 وضع حجر الزاوية لكنيسة الثالوث الأقدس (المسكوبية). وعام 1895 تأسست مدرسة البنات في دمشق والشويفات ومدرسة الصبيان في عاليه وراشيا الوادي وفتحت 16 مدرسة أخرى معظمها في قرى لبنان.

مع انتشار الارساليات الغربية وتوسع دور تعليمها في كافة المناطق وبعد اكثر من قرنين من الزمن بدأت حركة منافسة اسلامية ايجابية من حيث ارساء قواعد تربوية وثقافية في المجتمع الاسلامي تمثلت في تأسيس المقاصد في بيروت عام 1878 على يد الشيخ عبد القادر القباني وشلة من المثقفين السنة وبدعم مباشر من السلطنة العثمانية، وهي جمعية خيرية اسلامية تعمل بمبادىء الدين الاسلامي وتقدم خدمات تربوية ثقافية واستشفائية. والملفت كان ان الجمعية رأت منذ بداية نشاطها انه لا بد من الاهتمام بالفتاة المسلمة واعدادها اعدادا جيداً. نتيجة ذلك افتتحت اول مدرسة اسلامية للبنات في محلة الباشورة ومن بعدها ونظراً الى الاقبال الشديد افتتحت مدرسة ثانية. من بعدها قررت الجمعية افتتاح اول مدرسة للذكور في سوق البازركان. وبعد ذلك نمت المقاصد نمواً بارزاً بسبب الدعم التي تلقته من الاوقاف الاسلامية والدولة العثمانية وبدأت منذ ذلك التاريخ تقوم بدور بارز في المجتمع الاسلامي والعربي وادخلت الاساليب الحديثة في التربية والتعليم واصبح لدى الجمعية عدد كبير من المدارس والطلاب في كافة المناطق ذات الغالبية الاسلامية. الا انه في الآونة الاخيرة واجهت المقاصد مصاعب مالية مما حدا بها الى تقليل عدد المدارس والاساتذة.

وفي رد آخر على زحف الارساليات المسيحية التبشيرية، قامت السلطات العثمانية في اوائل عام 1890 بانشاء مدرسة الصنائع وتوسيع نطاق عملها لتشمل تعليم اصول المحاسبة وتسيير شؤون المؤسسات.

في القرن العشرين توالت عملية تأسيس المؤسسات التربوية ولو بوتيرة اقل من القرن الذي سبقه. فمع صعود نجم جمال عبد الناصر والقومية العربية وضمور مرحلة الاستعمار، ارتأى عبد الناصر الذي كان يصبو الى توسيع نفوذه على كامل المنطقة العربية، الى تأسيس الجامعة العربية عام 1960 وهي منذ تأسيسها مرتبطة بجامعة الاسكندرية بعلاقات اكاديمية. وكانت توجهاتها عربية ضد الاستعمار، وعليه قامت بفتح كلية للحقوق لمنافسة كلية الحقوق في الجامعة الياسوعية التي اسسها اليسوعيون.

في عام 1951 تم تأسيس الجامعة الحكومية الوحيدة في لبنان وسميت بالجامعة اللبنانية وقد كانت كلياتها ومعاهدها في بيروت قبل أن تجبرها الحرب الأهلية اللبنانية على إحداث فروع للكليات في بيروت ومحافظات جبل لبنان ولبنان الشمالي ولبنان الجنوبي والبقاع، لتسهيل تنقل الطلبة. رئيسها الأول هو المفكر فؤاد أفرام البستاني وتم البدء في تعليم الحقوق والهندسة مع انشاءها.

مع بداية الحرب اللبنانية سنة 1975 ونتيجة الفرز الطائفي للمجتمع اللبناني تواتر انشاء الجامعات الدينية مثل الجامعة الاسلامية في لبنان من قبل الامام موسى الصدر ومدارس حزب الله التي ردفت بانشاء مستوصفات ومستشفى بهمان. كما تم انشاء جامعة البلمند عام 1985 بمبادرة من البطريك هزيم وكانت في السابق معهد لاهوتي. وخلافاً لغيرها من المؤسسات التربوية التي انشأت في تلك الفترة على اسس طائفية تم اطلاق الجامعة على اسس غير دينية ترجم ذلك في ان نسبة حوالى 55 في المئة من طلابها هم من غير المسيحيين الارثوذكسيين وينتمون الى طوائف ومذاهب اخرى اسلامية وغير اسلامية من طرابلس والكورة وزغرتا وغيرها من أقضية الشمال .

من الجامعات المميزة التي تم تأسيسها في تلك المرحلة لا بد من ذكر جامعة سيدة اللويزة التي تأسست عام 1987 من قبل الرهبانية المريمية وبمساهمة فعالة من قبل المطران بشارة الراعي، بطريرك الموارنة اليوم الذي ترأسها في بداية انطلاقتها وارسى فيها اسس التعليم على اللغة الانجليزية لانه استشعر ان هذه اللغة توسع امتدادها في الاقتصاد العالمي والمعارف التقنية كاستعمالات الادمغة الالكترونية ووسائل التواصل والعمل في الاسواق العالمية، وقد اصبحت الجامعة تحتل ارضاً مساحتها 2 مليون متر مربع في مطلع الطريق نحو فاريا.

ومن ثم تواتر تأسيس الجامعات في لبنان بعد الحرب الاهلية حتى اصبحت تشمل حوالى 41 جامعة مرخص لها مع تفاوت كبير في نوعية التعليم.

امام ما تقدم ونتيجة الجهد الكبير الذي قام به المسيحيون المشرقيون ومن بعدهم كافة شرائح المجتمع اللبناني، فان نسبة التعليم اليوم تزيد عن 90 في المئة وتفوق المعدل العالمي بنقاط عدة حسب أرقام البنك الدولي، اما نسبة الإنفاق على التربية في لبنان فوصل إلى 2,7% من الناتج المحلي، والى 9،6% من الانفاق الحكومي. وتمول الدولة كل نفقات المدارس الحكومية، بينما تحصل المدارس الخاصة على مصاريفها من الرسوم المدرسية التي يدفعها الطلاب. ويتم دعم تطوير المناهج وتدريب المعلمين من خلال الشركات الخاصة، الهيئات الدينية أو المنظمات العالمية مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتطوير

التوجه الاقتصادي العالمي اليوم يقوم على اقتصاد المعرفة. والمعرفة تقوم على التعليم الجيد والنوعي الذي ارساه المسيحيون المشرقيون في المشرق العربي منذ القرن السابع عشر ولحقهم به المسلمون بداعي المنافسة التي كانت من دون شك لها نتائج ايجابية في توسيع افق المعرفة لكافة شرائح المجتمعات الشرقية خصوصاً اللبنانية منها والذي نتج عنها نهضة ثقافية وفكرية واقتصادية ملفتة نتحسسها في حضور الفرد اللبناني في العالم وتبؤئه اعلى المناصب الفكرية والعلمية والثقافية والاقتصادية.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé