مقالات مختارة

اعمال المؤتمر الاول لمسيحيي المشرق   27/10/2013


يعتبر الوجود المسيحي في مصر أصيلا فهم من أبناء أصحاب البلاد الأصليين الذين حافظوا على مسيحيتهم عبر تاريخ مصر منذ تحول مصر إلى دولة مسيحية على يد أحد تلامذة السيد المسيح ( مرقس الرسول) اعتبارا من العام ٥٥ ميلادية وحتى دخول العرب مصر عام ٦٤٢ ميلادية. ويعتبر المسيحيون في مصر ( الاقباط والتسمية تأتي من إسم مصر ) التجمع المسيحي الأكبر ضمن مسيحي المشرق، فالعدد غير محدد رسميا من جانب الدولة المصرية لاعتبارات تخص رؤيتها، كما أن الدولة حاولت تخفيض هذا العدد في حقبة السبعينيات في عهد الرئيس أنور السادات الذي كان سعى إلى توظيف الدين في الحياة السياسية ، وكان يقدر عدد الأقباط في منتصف السبعينيات بحوالي مليونين، في حين كانت تقدرهم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بحوالي ثمانية ملايين، واليوم تتجاهل الدولة المصرية أي ذكر لعدد الأقباط وتشير تقديرات الكنيسة إلى أن عددهم حوالي ١٢ مليون ومن بين الباحثين الأقباط من يرفع العدد إلى ١٥ مليون من بين عدد سكان مصر البالغ نحو ٩٠ مليون. وفي المتوسط العام نحو نتحدث عن حوالي عشرة ملايين يمثلون ما بين ١١ إلى ١٢٪ من السكان.


الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأقباط
تاريخيا عانى الأقباط من أوضاع اقتصادية واجتماعية سيئة للغاية منذ دخول العرب مصر وفقدوا تدريجيا قدراتهم الاقتصادية وعانوا من التهميش الاجتماعي الذي تطور تدريجيا في ظل الحكم العربي وكان سببا رئيسيا في تحو نسبة كبيرة من الأقباط إلىالاسلام تحت وطأة الضرائب المتصاعدة عليهم ( الجزية) والإضطهاد المتواصل وهو الأمر الذي استمر طوال العصور الوسطى وتصاعد مع غزو العثمانيين لمصر عام ١٥١٧.
مع تولي محمد على حكم مصر عام ١٨٠٥ بدأ في ازالة هذه القيود تدريجيا في إطار سعيه لبناء مصر الحديثة،، حيث سمح بدخول الأقباط الى الجيش ومن ثم توقفوا عن دفع الجزية، كما سمح لهم ضمن السماح للمصريين بتملك الأراضي. واستمر التحسن في عهد حكم أسرته إلى أن جاءت ثورة ١٩١٩ التي رفعت شعارات المواطنة وصاغت دستورا للبلاد نهض على أساس المواطنة وعدم التمييز بين المصريين على أساس الدين والعرق. في تلك الحقبة المسماة بالليبرالية والتي استمرت من ١٩١٩ وحتى حركة الجيش في ٢٣ يوليو ١٩٥٢ تمتع الأقباط بصفة عامة بحقوق المواطنة، وحققوا نجاحات اقتصادية كبيرة وظهرت طبقة من ملاك الأراضي والتجار وكبار الموظفين حققت مكانة اجتماعية مرموقة وكان منهم الوزراء ووصلوا إلى منصب رئيس الوزراء ( بطرس غالي باشا).
جاءت حركة الجيش في ٢٣ يوليو لتغير من وضع الاقباط بشكل كبير، فالصورة النمطية الأولى التي تشكلت لدى الأقباط على اثر نجاح الثورة أنها ثورة " الإخوان المسلمين" التي جاءت لاضطهاد الأقباط وترسخت هذه الصورة من خلال المعلومات التي انتشرت في بداية الورة عن علاقة عدد كبير من أعضاء مجلس قيادة الثورة بتنظيم الإخوان وعلى رأسهم جمال عبد الناصر. وجاءت قرارات التأميم التي أصدرها عبد الناصر لترسخ من مخاوف الأقباط إذ تمت مصادرة ثروات الأثرياء، والنسبة الكبيرة منهم من الأقباط، ومن هنا بدأت أول موجات نزوح الأقباط من مصر وهي المجموعة الثرية التي تمت مصادرة أموالها، ومن بعدها المجموعة الثرية من كبار ملاك الأراضي الذين تمت مصادرة المساحة الأكبر من أراضيهم ضمن رؤية النظام الجديد لتحقيق العدالة الاجتماعية. لكن وفي الوقت نفسه استفاد فقراء الأقباط من سياسات العدالة الاجتماعية التي بدأ النظام الناصري في تطبيقها، حيث لم يجري تمييز ضدهم واستفادوا ضمن المصريين من سياسات العدالة الاجتماعية وانخرطوا في مؤسسات الدولة واستفادوا كغيرهم من المصريين من سياسة التعليم المجاني وحققوا نجاحات كبيرة في المجال الاقتصادي منحت الكثير منهم مكانة اجتماعية مرموقة. وتكرس ذلك بالصدام السريع بين النظام الناصري وجماعة الإخوان والذي بدأ مبكرا عبر محاولة الجماعة اغتيال عبد الناصر في مارس ١٩٥٤ ثم الصدام الأكبر عام ١٩٦٥.
السادات وعودة سياسة التمييز ضد الأقباط
جاء السادات إلى السلطة في اكتوبر ١٩٧٠ بعد وفاة عبد الناصر في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠، جاء السادات مفتقدا للقبول الشعبي، ومن ثم حاول تعويض ذلك باثارة العامل الطيني وتوظيف الدين في السياسة، بدأ بتشكيل الجماعة الإسلامية في الجامعات مصرية للتصدي أولا للتيارين الناصري واليساري في الجامعات المصرية، ثم أخرج قادة الإخوان من السجون وسمح بعودة قادتهم من السعودية ودول الخليج، كان يكرر في أحاديثه أنه رئيس مسلم لدولة إسلامية، وكان الإعلام يلقبه بالرئيس المؤمن. سرعان ما تدهورت الأوضاع في البلاد نتيجة ممارسة الجماعة الاسلامية العنف ضد الأقباط لاسيما في صعيد مصر ، حيث تتركز غالبية الأقباط، كما أعلن رغبته في تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد بما فيها الحدود وعلى الجميع، فكان الصدام مع الكنيسة علنيا، انتشر العنف ضد الأقباط، بدأت سياسة جديدة لتهميش الأقباط في مؤسسات الدولة، التضييق عليهم في التعليم وبات التمييز ضدهم سياسة ممنهجة لدى الدولة المصرية. هنا لجأ الأقباط الى الأعمال الحرة بعيدا عن مؤسسات الدولة، فحققوا طفرات في مجالات العمل الخاص ولذلك ركزوا على تعليم أبنائهم جيدا وإلحاقهم بالتعلم الذي يمكنهم من امتلاك المشروع الخاص بعيدا عن مؤسسات الدولة ( الطب، الصيدلة، الهندسة وإدارة الأعمال).
في نفس الوقت عانى غالبية الأقباط لاسيما في الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى وكل أبناء الطبقة الدنيا من سياسات التمييز التي وصلت في بعض مراحلها الى الإضطهاد، وهو الأمر الذي استمر مؤسسيا خلال حكم مبارك الذي استمر ثلاثة عقود كاملة وتصاعدت في أواخر حكمه موجات العنف ضد الأقباط ( جريمة نجع حمادي في يناير ٢٠١٠ وجريمة تفجير كنيسة القديسين بالاسكندرية في قداس رأس السنة الميلادية الجديدة).

أوضاع الأقباط بعد ٢٥ يناير
جاء رحيل البابا شنودة الثالث ، بطريرك الكرازة المرقسية الذي يقف على رأس أكبر الكنائس المسيحية في الشرق الأوسط، جاء الرحيل في توقيت دقيق، فمصر كانت تمر بمرحلة انتقالية متعثرة، وأحداث العنف الطائفي لم تتراجع بعد، وقوى الإسلام السياسي أمسكت بكافة خيوط اللعبة، سواء كان ذلك بموجب توافق مع العسكر أو خطة محكمة من المؤسسة العسكرية للإيقاع بقوى الإسلام السياسي أو فصيلها الرئيس، مرحلة ظهر فيها جيل جديد من الأقباط خرج رافضا المعادلة التقليدية لعلاقة الكنيسة بالدولة، خرج مطالبا بحقوق المواطنة كاملة غير منقوصة، خرج بعيدا عن أسوار الكنيسة، وحمايتها أيضا مطالبا بحقوق المواطنة المساواة، وفي مرحلة تالية عاد مجددا إلى الكنيسة لا كي يحتمي داخل أسوارها أو يطلب منها تمثيله أمام الدولة، بل ليدفعها إلى نحو التكيف مع ما يتطلع إليه ويريده ألا وهو مزيد من الفصل ما بين الدين والسياسة، أن يعطوا ما لقيصر ( السياسة) لقيصر وما لله ( العمل الروحي) لله. وهو أمر أثر بقوة على دور ومكانة الكنيسة في مصر في، كما أنه سيؤثر بصفة عامة على مسار التطورات في مصر في تلك الفترة الانتقالية الحرجة.
الجيل القبطي الجديد...التمرد على المعادلة التقليدية
لعل المشهد الأبرز في مصر هو ذلك المشهد الذي تشكلت ملامحه بعد دقات منتصف الليلة الأخيرة من عام 2010، عندما دوى التفجير الإرهابي أمام كنيسة " القديسين" بالإسكندرية، وما ترتب عليه من تداعيات، تفجير إرهابي يوقع عشرات الضحايا الذين فرغوا للتو من الصلاة، مشاعر مختلطة للمصريين يطغى على أغلبها الصدمة والحزن، الخوف الشديد على البلد، الأبناء والمستقبل. حديث مكثف من الوهلة الأولى عن أن العملية صناعة " خارجية"، الموساد أو القاعدة، ليس مهما، المهم أن المجرم ليس صناعة محلية، بل أن البعض ذهب إلى عدم وجود مكونات محلية بالمرة في هذه الجريمة، ولما لا وفي ذلك إعفاء كامل للنفس من المسئولية حتى ولو كان الثمن الحقيقة ولو كان أمن مصر والمصريين.


ومن بين المكونات المختلفة للمشهد الراهن نتوقف أمام مشهد مظاهرات الشباب القبطي التي جابت شوارع المدن المصرية تندد بالجريمة، ترفع شعارات غاضبة، لم تخلو من الطائفية، ولم تكن بعيدة في بعض الأحيان عن ارتكاب تجاوزات احتوتها في الكثير من المواقف حكمة الحكماء وطول الأناة، وتقدير حالة الغضب والغليان التي يشعر بها هؤلاء الشباب. ويبدو واضحا أن مظاهرات الشباب القبطي شكلت قمة تطور ظاهرة الاحتجاج الذي بدأ خجولا عندما أراد بعض الشباب التظاهر ضد ما يراه من " تمييز " وحقوق منقوصة، ومطالب مهدرة، فاختار الكنائس ليتظاهر بداخلها ، فمن هذا المكان سيوصل رسالته للكنيسة كي تتحرك وتحمل مطالبه للدولة- التي يشعر بالاغتراب تجاها، والخوف منها، أو ربما تصل في يوم من الأيام للنظام.
ومع مرور الوقت تطورت هذه الظاهرة فبدأ الشباب القبطي يتظاهر خارج الكنائس، أمامها بالتحديد، وهو هنا لا يزال يرى أنه داخل دائرة الحماية المعنوية، إذ يصعب تصور الدخول في مواجهة مع قوات الأمن في هذه المنطقة. وكانت جريمة نجع حمادي ليلة عيد الميلاد 2010، نقطة تحول في هذه المظاهرات، حيث إزدادت المسافة بين مسيرات شباب الأقباط وأسوار الكنائس، ذهبوا حتى مجلس الدولة، مجلس الشعب، نقابة الصحفيين وميدان التحرير،أي أنهم دهبوا إلى مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني....نقطة التحول الثانية جاءت مع أحداث العمرانية في نوفمبر 2010، حيث تطورت المظاهرات لتأخذ أشكالا عنيفة عبر الاشتباك مع أجهزة الأمن، قطع الطريق الدائري، والاعتداء على مبنى المحافظة، وهي المرة الأولى في تاريخ مصر الحديث التي يخرج فيها الشباب القبطي في مسيرات تتخللها أعمال عنف ضد مؤسسات ومبان تابعة للدولة.....ثم جاءت نقطة التحول الثالثة في جريمة الإسكندرية ليلة رأس السنة، فإذا كانت الجريمة حملت تطورا نوعيا في بشاعتها وعنفها شكلا ومضمونا، فقد حملت معها أيضا تطورا نوعيا في ردود فعل الشباب القبطي بدأت عقب وقوع العملية مباشرة في الاشتباك مع قوات الأمن، وبرزت ملامحها بقوة إبان الصلاة على " جثامين الضحايا" حيث قاطع الشباب الغاضب ممثل الكنيسة عندما أراد توجيه كلمات شكر لرئيس الدولة، وطلبوا من ممثله مغادرة المكان..واستمر التطور في الظاهرة حتى وصل إلى مظاهرات عامة شارك فيها آلاف الشباب الغاضب، سارت حتى مبنى وزارة الخارجية المصرية ومبنى التليفزيون الرسمي للدولة.
بداية لابد من الإشارة إلى أن قادة المظاهرات وغالبية المشاركين فيها هم من فئة الشباب ما دون الثلاثين من العمر، جيل ولد منذ منتصف السبعينيات، لم يعش تجربة مصر " المصرية" في العقود السابقة، جيل نشأ مع بدء تديين المجال العام في مصر على يد الرئيس السادات، جيل حمل أسماء ما بين القبطية والفرعونية والغربية... جيل نظر إلى أعلى فلم يجد مظلة حماية من الوطن ممثلا في مؤسسات الدولة، فقد سحبت عنه، فأمدته الكنيسة بمظلة بديلة عن مظلة الوطن، جيل نشأ داخل أسوار الكنيسة، فيها تعلم دروسه الأولى وداخلها مارس كافة الأنشطة، أدرك أن الكنيسة باتت هي ممثله أمام الدولة، تركها تتفاوض على حقوقه، وتبرم الصفقات مع النظام...
بمرور الوقت ومع مواصلة سياسات الأسلمة، وشدة وطأة سياسات التمييز الطائفي، تواتر الاعتداءات الطائفية دون تطبيق القانون، بدأ الشباب يتحرك، تحرك أولا داخل الكنيسة وكأنما أراد الضغط على قادتها للدفاع عنه والإتيان له بحقوقه... وكان خروجه إذانا بكفره بهذه المعادلة، خروجه هو ضد الدولة التي تمارس سياسات التمييز والظلم وتعامله المصالح الحكومية ومؤسسات الدولة على أنه مواطن من الدرجة الثانية، وضد الكنيسة التي ما عادت من وجهة نظرة قادرة على تأمين الحماية له من ناحية أو الدفاع عن مصالحه أمام ممؤسسات الدولة "الطائفية " من ناحية ثانية. من هنا يمكن القول أن مظاهرات الشباب القبطي كانت بمثابة خروج على الدولة والكنيسة معا، ولذلك لو تأملنا في ردود فعل الدولة والكنيسة معا تجاه هذه المظاهرات التي قادها هؤلاء الشباب سوف نجد قاسما مشتركا موضوعيا بينها، كلاهما يخشى التداعيات، الدولة تخشى التعامل مع جيل تحرك خارج الكنائس، خرج كمصري يطلب حقوقه المهدرة عند الدولة، والكنيسة التي ما عادت الممثل السياسي لهذا الجيل عند الدولة، الخروج يضرب المعادلة القائمة بين الكنيسة والدولة منذ منتصف السبعينيات.
الجيل الجديد والخروج إلى العمل العام
تبلورت ملامح الجيل الجديد من الأقباط مع زيادة معدلات الاحتجاج ضد نظام مبارك، فتزايد التواجد في حركات " كفاية" و" 6 أبريل" كما تفاعلوا بنشاط مع حركة " كلنا خالد سعيد"، وما أن خرجت مظاهرات الخامس والعشرين من يناير حتى وجد شباب الأقباط مجالا جديدا للعمل السياسي، فشاركوا في هذه المظاهرات، لم يتوقفوا كثيرا أمام تحفظ الكنيسة على المشاركة، ولم يستجيبوا لضغوط بعض رجال الدين بعدم الذهاب إلى ميدان التحرير، ذهبوا إلى هناك، عبروا جسور الطائفية، قفزوا فوق أحزان وآلام جرائم نجع حمادي وكنيسة القديسين، صلوا ورتلوا في الميدان، وقدموا الحماية " الرمزية" لأشقائهم المسلمين إبان الصلوات، دفعوا ضريبة الدم في التحرير ضمن دماء مصرية سالت، ودفعوا ضريبة دم خالص أمام ماسبيروا عندما دهستهم المركبات العسكرية وتلقوا الرصاص في الصدور، بعدها لم يعد أحد في مصر يتساءل عن أسباب سلبية الأقباط، فما عادوا كذلك.
تصاعد نشاط الجيل الجديد من الأقباط واستقرت مظاهراته أمام مؤسسات الدولة المصرية مطالبا بتكريس قيمة المواطنة، المساواة، والقضاء على كافة أشكال التمييز التي عانت منها الأجيال السابقة، لم يتسامح مع ظواهر تكررت كثيرا منذ منتصف السبعينيات وحتى نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، غضب بشدة للاعتداء على كنائس، كما تداعى للتعبير عن رفض كافة أشكال التمييز، تجاوز حرص الأجيال السابقة على مساحة المشترك بين المصريين، لم يجعل من هذه المساحة عائقا أمامه. وفي لحظة تالية بدأ ينظر إلى المعادلة التقليدية التي كانت قائمة في شكل توافق الدولة والكنيسة أو سعي رجال الكنيسة إلى ضبط أفعال هذا الجيل بتفاهم مع مؤسسات الدولة، بدأ ينظر إلى هذه المعادلة على أنها تمثل قيدا شديدا على حركته وتطلعه إلى استعادة حقوق المواطنة والمساواة، هنا بدأ يعود مرة أخرى إلى الكنيسة لا كي يدخل أسوارها من جديد ويحتمي بها، بل كي " يثورها" حتى تتوافق مع تطلعاته.

أوضاع الأقباط بعد ثورة ٣٠ يونيو
نتيجة سياسات التمكين التي اتبعها محمد مرسي وجماعة الاخوان، ومحاولة السيطرة على مصر وتوجيهها لخدمة مشروع الجماعة، ومواصلة التدهور الشامل في أوضاع المصريين، جاءت ثوؤة ٣٠ يونيو التي تجاوب معها الجيش ووفر الحماية المطلوبة للمتظاهرين، وأصدر في ٣ يوليو بيان عزل مرسي وبدء مرحلة انتقالية جديدة، بدأت الأوضاع في مصر تشهد تغييرات جوهرية، فقد شنت الجماعة وتنظيمها الدولي حربا شعواء على المصريين ككل، استهدفت المصريين جميعا،. قامت بعمليات حرق ونهب للكنائس لاسيما في صعيد مصر، استهدفت المسيحيين لدفعهم إلى التقوقع كأقلية أو داخل الكنائس، فقد كان الجانب الأبرز الذي أثار الجماعة هو خروج الأقباط والمشاركة مع باقي شرائح المجتمع المصري في الاحتجاج على حكم مرسي والجماعة، شاركوا من منطلق وطني عام لا من أجل قضايا طائفية، وقد انعكس ذلك في حرص المؤسسة عسكرية على وجود البابا تواضروس الثاني في مشهد عزل مرسي وإعلان خريطة الطريق الجديدة.
نجحت جماعة الاخوان وحلفاؤها من تيار الإسلام السياسي في شطر المجتمع المصري الى قسمين، صحيح أنهما غير متساويين، لكنهما قسمين باتا يختلفا في كل شيء، أصبح لدينا نمط حياة لكل طرف، وجدان مغاير بل وشبكة علاقات خارجية مفضلة مختلفة. يريد أنصار الجماعة وحلفاؤهم العيش ضمن نمط حياة لا يناسب مصر ولا يرضي المصريين، يريدون العودة بنا إلى زمن خلط الدين بالسياسة تلك الصيغة التي أدخلت أوروبا عصور الظلام وتسببت في حروب دام بعضها سبعة عقود كاملة فيما عرف بحرب السبعين عاما، تلك الصيغة التي تسببت في حروب كثيرة في بلدان العالم الاسلامي وشهدت الانقسامات الطائفية والتصفيات الجسدية. يرون أن العودة إلى هذه الصيغة سوف يوجد " المدينة الفاضلة". ولا مشكلة في أن يقوموا بالدعوة لمشروعهم بالحسنى، لكن المشكلة هي أنهم يريدون فرض نمط معيشتهم، حياتهم ووجدانهم على المصريين بالقوة، استعانوا بالأجنحة المسلحة وهددوا بحرق مصر أكثر من مرة، رضخ لهم المجلس العسكري السابق وسلم عصاالسلطة لهم ( مرسي) ورحل، كرروا المحاولة في زمن مرسي فجاء رد المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالرفض وقرر الفريق أول عبد الفتاح السيسي وقوف الجيش الى جانب معسكر القوى المدنية الذي يمثل غالبية المصريين. ونجحت الجماعة على مدار ثمانية عقود في بناء وجدان منفصل لعناصرها، فما يشعر هذا الوجدان بالسعادة هو ما يتعس غالبية مصريين، وما يطرب غالبية المصريين يكون سببا للنواح لدى الجماعة ورفاقها، تم بناء وجدان عناصر الجماعة بعناصر غير مصرية، تراهم يكرهون مصر، يمقتون الحضارة المصرية القديمة، يتطاولون على أجدادنا الفراعنة ويصفوهم بالكفار ولا يعلمون أن هؤلاء الأجداد كانوا أكثر تحضرا وإنسانية من كافة معاصريهم، عاشوا قبل الأديان الإبراهيمية، وعرفوا التوحيد في وقت كانت الأصنام والأوثان تعبد في جزيرة العرب.
مصر بالنسبة لهم مجرد مصر من أمصار كثر، حلقة من سلسلة ضمن دولة الخلافة، لا قيمة لديهم لوطن ولا قداسة لأرضه، وقد جسد المرشد العام السابق للجماعة هذه الرؤية بحديثه الذي أهان فيه مصر والمصريين ولم يمانع في أن يتولى ماليزي حكم مصر. مصر بالنسبة لهم نقطة انطلاق ووثوب الى غايتهم، لا قيمة لها أكثر من ذلك ومن ثم فضايا مثل أمن مصر قومي لا مكان لها في قاموسهم، وكنطقي أن تقود هذه القناة إلى استعداد لإهداء الأشقاء في الرؤية قطعة من أرض مصر حسب الحاجة من الجنوب ( حلايب وشلاتين للسودان) ومن الشمال الشرقي ( قطعة من أرض سيناء للأهل والعشيرة في غزة).
ومنطقي أن يقود كل ذلك إلى شبكة علاقات إقليمية ودولية للشبكة التي تقتضيها مصالح مصر العليا، فالأولوية في العلاقات الخارجية للأهل والعشيرة في تركيا، باكستان، قطر، السودان، غزة ولا مجال لعلاقات جيدة بدول كالسعودية والامارات والكويت رغم ما بينها وبين مصر من مصالح. أما شبكة العلاقات الدولية فقد تم رسمها حسب الاستعداد للمساعدة في مشروع التمكين، فكل دولة مستعدة للمساعدة في هذا المشروع تمثل حليفا - مؤقتا - للجماعة، تعاونوا مع ادارة أوباما، وتولوا حماية أمن إسرائيل ارضاء لواشنطن، وعندما لاح في الأفق ما يفيد بسقوط الجماعة من السلطة لم يترددوا في طلب تدخل العسكري الأمريكي لضرب مصر وجيشها من أجل اعادة مرسي إلى الرئاسة.

مستقبل وضع المسيحيين ودورهم على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي
نجح الجيل القبطي الجديد في الخروج من داخل الكنائس إلى ساحة الوطن، وشارك في العمل العام من أرضية المواطنة، لم يتخندق وراء مطالب وشعارات دينية بل وطنية، وأدى حكم الجماعة إلى بروز حالة من التوافق الوطني العام، تراجعت في سياقه أجواء الاحتقان الديني ليبدو المشهد مواجهة بين مشروعين، مصري وآخر اخواني، ومن خلال ما جرى في المرحلة الانتقالية من مشروع تعديل دستور والتحرك لإصدار قانون لمكافحة التمييز، يبدو واضحا أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأقباط سوف تتحسن تدريجيا، فهي مرتبطة بالسياسي العام، وعندما كان هذا السياسي العام " متعدلا" في الحقبة الليبرالية ( من ١٩١٩ وحتى يوليو ١٩٥٢) تحسنت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأقباط، وعندما تبنى عبد الناصر سياسات التأميم والعدالة الاجتماعية استفاد قطاع من الأقباط وتضرر آخر، لكن الأجواء إجمالا كانت إيجابية. ومع مجيء السادات إلى السلطة بعد وفاة عبد الناصر عام ١٩٧٠، وتبنيه - لأسباب سياسية برجماتية- لقوى الإسلام السياسي تدهور الأوضاع العامة للأقباط على كافة المستويات وهو الأمر الذي استمر في عهد مبارك الذي استمر ثلاثة عقود.
اليوم وبعد ثورة ٣٠ يونيو ورغم عنف الجماعات الاسلامية واستهدافها للأقباط، ورغم وجود موروث ثقافي ثقيل يصعب تجاوزة بسهولة أو بسرعة، ورغم عمل مثلث الفقر مع الجهل في انتاج التطرف والتشدد، رغم كل ذلك نقول أن الأجواء العامة في مصر يوم تؤشر لتحرك من أجل بناء دولة مدنية حديثة يتمتع فيها الأقباط بقدر كبير من حقوق المواطنة، تتحسن خلالها أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، لكن لابد من ادراك أن المسيرة طويلة والطريق وعر، ويمكن أن يشهد انتكاسات، الا أن المؤشرات الأهم هنا هي سقوط " أسطورة الجماعة" التي كانت تغذي التطرف والتشدد وتقوم بتديين المجال العام، مع نظام حكم مساعد لها في انتاج كل ذلك، ويبدو واضحا أن مشاركة الأقباط بقوة في العمل العام وخروجهم للتصويت في الانتخابات، وتحمل آلام مراحل السابقة دون حديث عن طلب مساندة خارجية، كل ذلك رسخ صورة ذهنية إيجابية للأقباط والكنيسة المصرية لدى المواطن المصري العادي، وهو خير ضمان على طريق بناء دولة المواطنة والقانون ولو على فترة زمنية طويلة نسبيا.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé