مقالات مختارة

أعمال المؤتمر العام الأول لمسيحيي المشرق   29/10/2013

الهجرة ظاهرة عالمية منتشرة في البلدان الفقيرة والغنية على السواء، لأن العولمة حولت هذا العالم إلى قرية صغيرة دون حدود وحواجز مادية وجعلت التواصل الاجتماعي سهلا بين الشعوب.

هذا النوع من الهجرة ليست إلزامية بل يتخذ الإنسان قراره طوعا وبملء إرادته ليعيش في بلد آخر غير وطنه لأسباب شخصية أو عائلية أو اجتماعية. أما الهجرة القسرية المفروضة على الشعوب فهي الأخطر لأنها تجرّد الإنسان من ابسط حقوقه المعنوية والمادية وتسْلخه من وطنه وأرضه وممتلكاته لأسباب سياسية أو دينية أو عرقية.

لا تقتصر الهجرة من الشرق الأوسط إلى بلدان أخرى على فئة أو طائفة معينة بل تشمل المسلمين والمسيحيين لأنهم يعيشون تحت سماء واحدة ويواجهون المصير الواحد.

عندما نقارن الوجود المسيحي ماضيا وحاضرا نجد بونا شاسعا في عدد المسيحيين المقيمين فيه. هذا المشهد للأسف رمادي بسبب التدني الحاصل لهذا الوجود وذلك لعوامل عديدة أذكر بعضا منها للاستدلال لا للحصر:

أولا: العامل التربوي  -  إن الشباب والشابات الذين يتركون بلدهم لمتابعة دراستهم الأكاديمية في جامعات البلدان الغربية للتخصص والحصول على شهادات عالية، يجدون في الغرب ضمانات عديدة تكفل لهم حياة رغيدة لذلك يفضّلون العيش فيه والعمل في أجوائه الهادئة بعيدا عن الإضطرابات والنزاعات المختلفة التي تنتقل كالنار في الهشيم من بلد إلى آخر في الشرق الأوسط.

ثانيا:  العامل الاقتصادي  -  إن عدم الاستقرار بسبب التوترات السياسية والأمنية المستمرة وتراجع الأوضاع الاقتصادية بشكل عام وعدم توفر التسهيلات المريحة والضمانات اللازمة، تدفع بعض أصحاب المشاريع إلى الإحجام عن استثمار أموالهم في بلدهم خوفا من انعكاس التطورات الاقتصادية عليهم لذلك تبقى أنظار هؤلاء المستثمرين شاخصة نحو الخارج، بحثا عن بلد آمن يوحي بالثقة والطمأنينة.

ثالثا:  عامل البطالة  -  إن الطلاب الجامعيين الذين يحملون الشهادات العالية لا يجدون الوظائف التي ترضي أمالهم وتطلعاتهم لذلك يفضلون السفر إلى الخارج لبناء مستقبلهم. ولكن بعد الحصول على هذه الوظائف برواتب مغرية يجدون صعوبة في العودة إلى وطنهم الأم للعمل فيه.

رابعا:  عامل التهميش  -  عندما يشعر الإنسان أنه لا يتساوى مع أخيه في المواطنة الصحيحة في الحقوق والواجبات ولا يفسح له المجال للمشاركة فعليا في الحياة السياسية أو يساهم في إدارة شؤون بلده من خلال الوظائف العامة، يصبح مهمّشا، لذلك يفضّل الهجرة على البقاء ليتسنّى له الفرصة لتحقيق ذاته حتى ولو كان ذلك خارج وطنه.

خامسا:  العامل الأمني  -  يعتبر هذا العامل من أخطر العوامل التي تؤدي إلى الهجرة الجماعية القسْرية وإلى تغيير ديموغرافي على الأرض. إذا تصفّحنا كتب التاريخ نجد في طياتها أمثلة عديدة تؤكد خطورة الهجرة الجماعية التي شردت الناس من أوطانهم وقراهم وبيوتهم وأرزاقهم لأسباب مختلفة مسببة عددا كبيرا من الضحايا البريئة على مرأى ومسمع من العالم المتحضر الذي يحترم مبدأ حقوق الإنسان. من هذه الأمثلة أذكر القضية الفلسطينية التي حوّلت الفلسطينيين إلى لاجئين مشتتين في كل أقطار العالم بعد أن تمّ احتلال أراضيهم من قبل إسرائيل. والحرب اللبنانية التي دامت سنوات طويلة مسببة ألاف القتلى والجرحى والمشردين والمهجرين ودمارا لا يوصف وكذلك نزاعات وانقسامات طائفية وأضرارا مادية ومعنوية جسيمة وكذلك تغييرات ديموغرافية خطيرة على أرض الوطن. أما الحرب المدمّرة في العراق فتميّزت بتفجير أماكن العبادة وقتل رجال الدين وخطف المؤمنين التي تسببت بتهجير المواطنين عامة والمسيحيين خاصة من وطنهم الأم. ولكن المثل الأكثر شراسة وعنفا هو المجازر الأرمنية التي حصلت سنة 1915 على يد العثمانيين الأتراك في كيليكيا لغايات سياسية وتوسّعية بتحريض ديني مَقيتْ، حيث قُتِل بطرق بربرية أكثر من مليون ونصف مليون أرمني وكذلك عددٌ غير قليل من أبناء الطائفة السريانية الكريمة ومن الأقليات المسيحية الأخرى، يقشعِرّ بدن الناظر لدى مشاهدته صور هذه المجازر التي تُدمي قلبَه حزنا.

الناجون من هذه الإبادة الجماعية وجدوا في البلدان العربية التي لجؤوا إليها أياد ممدودة للمساعدة وقلوب مفعمة بالمحبة لأن الشعب العربي تعامل معهم باحترام وحنان ليبلسم جراحهم حتى يشعروا بالاطمئنان والسلام لأن عبارة "لا تخف أنت في أمان" غير كافية. من الضروري خلق الأجواء الملائمة حتى يشعر النازح الخائف على وجوده ومستقبله بالاستقرار النفسي الذي ينشده. إن هذه المبادرات الأخوية تستحق الشكر والتقدير.

عاشت المجتمعات المسيحية في البلدان العربية فترات طويلة من الاستقرار تميزت بالتفاعل الحضاري وبالعمل الجاد والعطاء المثمر. ولكن للأسف التاريخ يعيد نفسه إذ ْ بدأ استهداف المسيحيين الجماعي كما رأينا في العراق ومصر ومؤخرا في سوريا من قِبل جماعات تحمل أسماء وتسميات مختلفة تقوم بأعمال حربية باسم الدين وهي بعيدة كل البعد عن مبادئ الإسلام السمْح التي نعرفها ونحترمها جميعا، مستغلة الدين كوسيلة للوصول إلى أهدافها السياسية. إنها تهجر المسيحيين من منازلهم بعد ترهيبهم كأنهم جاليات أجنبية جاءت من الخارج إلى بلدان الشرق الأوسط. المسيحيون هم أبناء هذا الوطن العربي الذين ساهموا فعليا في النهضة العربية كما ساهموا في ازدهار ثقافته وانتشار حضارته العريقة. أنهم تواجدوا على هذه الأرض المباركة منذ ألفي سنة حيث ظهرت المسيحية وهم من المكونات الأساسية لنسيجها الاجتماعي. وجودهم متجذر في المنطقة، يعيشون في أوطانهم الأصلية، يحافظون على إيمانهم وطقوسهم وتقاليدهم ويساهمون في تطوير مجتمعاتهم المعروفة بتعدديتها، علميّا وثقافيّا وحضاريّا، من خلال مؤسساتهم المختلفة، واضعين تلك المؤسسات تحت تصرف وخدمة جميع أبناء هذا المجتمع العربي دون استثناء.

المسيحيون المشرقيون يظهرون دوما ارتباطهم المطلق بالأرض وولاءهم الكامل للوطن العربي حيث ولدوا وترعرعوا بحرية وكرامة بعيداً عن القهر والاستبداد لذلك عندما استُهدِفت رموزُهم الدينية أصبحوا أكثر تشبثا بأرضهم ووطنهم. ولكن عندما بدأ استهدافهم جسديا بدأت الهجرة الجماعية القسرية  إلى بلدان آمنة.

يتعاطى المسيحيون المشرقيون مع محيطهم بانفتاح وتجرد، ولم يترددوا يوما في التعبير عن احترامهم للإسلام والمسلمين انطلاقا من قناعتهم الراسخة بأن العيش المشترك مع المسلمين هو هدفهم وحوار الحياة المستمر معهم هو مبتغاهم.

يخطئ من يعتقد أن المسيحيين في الشرق هم أتباع الغرب وأي خطئ يرتكب في الغرب يجب أن يتحمل تبعاته كل المسيحيين أينما وجدوا. هذه المقاربات تشوّه صورة المسيحيين في مجتمعاتهم الإسلامية وتخلق حساسيات وتشنجات بين أبناء البلد الواحد. ولكن رغم كل الأضرار المادية والمعنوية التي تتحملها شعوب المنطقة من جميع الطوائف نشعر أن إرادة العيش المشترك المبني على القيم الدينية والأخلاقية والحضارية السامية في الإسلام والمسيحية ما زالت قوية. إنها تعتبر الشعلة المُضيئة التي تنير درب الشعوب بعيدا عن التشدد والتقوقع والانزواء. إن التعرّف على كُنْه وخصائص ومميزات الديانتين وكذلك نقاط الالتقاء والاختلاف في الإسلام والمسيحية والتعاطي معها باحترام وتقدير يمهد الطريق إلى حوار حضاري أعمق وبنّاء بين أطراف المجتمع الواحد.

علينا جميعا، انطلاقا من هذه المبادئ، أن ننشر ثقافة الحوار بين الجميع وخاصة في المدارس والجامعات حتى نبني جيلا جديدا يؤمن بالتعددية والانفتاح وحرية المعتقد وقبول الآخر كما هو ضمن الوطن الواحد، في جو من الاحترام المتبادل.

نحن كلبنانيين، نؤمن أن في كل مسيحي قليلا من الإسلام وفي كل مسلم قليلا من المسيحية. هذا ليس شعارا بل واقعا ملموسا في حياتنا اليومية، بكل أبعاده وتجلياته. والدليل على ذلك عيد البشارة في 25 آذار الذي أصبح عيدا سنويا رسميا جامعا، يكرم اللبنانيون مريم العذراء تكريما خاصا كرمز للأمومة الخالصة والطهارة المطلقة.

لا خوف على استمرارية الوجود المسيحي في الشرق، رغم الأجواء الملبدة والمآسي والمحن المنتشرة في بعض البلدان العربية، طالما الأكثرية الساحقة من المسلمين والمسيحيين مرتبطون بإيمانهم ارتباطا وثيقا ً ومصممون بقناعة وبوعي وإدراك على متابعة مسيرة حوار الحياة لتخطي المظاهر السلبية للحروب الدامية التي حصلتْ وما زالت في أوطانهم. هم يؤمنون إيمانا راسخا بالخالق الذي خلق الإنسان على صورته دون أن يفضل مخلوقا على آخر. إنهم مقتنعون بأن الدين لا يميّز بل يوثّق العرى بين المؤمنين وأن الإيمان بالله لا يفرّق بل يوحّد أبناءه أجمعين.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé