مقالات مختارة

الراعي في مسقط رأس الكنيسة أنطاكيا تجديد المعنى والالتزام بقلم سركيس ابو زيد   26/07/2012

«بطريرك أنطاكيا في أنطاكيا للمرة الأولى» عنوان جريدة «السفير» التي واكبت البطريرك الراعي في زيارته الاخيرة انطاكيا في اواخر شهر الماضي. وفي ملخص ما اوردته مراسلة «السفير» غراسيا بيطار:
يجلس البطريرك الماروني على «كرسي بطرس» روحياً في بكركي. أما البطريرك الراعي فقد جلس «حسيا» على كرسي بطرس في قلب أنطاكيا. دخل البطريرك «مغارة مار بطرس» ليكون البطريرك الأول في سلالة البطاركة السبعة والسبعين الذي يجلس على «العرش الانطاكي الأصلي». تلك الصخرة التي استند اليها المسيحيون كي ينتشروا في أصقاع الأرض كافة.
اقام البطريرك الراعي في فندق «قصر العثمان» لكنه صرح متحسرا «يعزّ علي» ألا يكون لـ«بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق»، مكان «يبيت فيه» في انطاكيا. ويقول: «عيب ألا يكون لنا مركز للبطريركية هنا... على الأٌقل كي لا تبقى أنطاكيا على الورق فقط». هذا السرد الصحافي فريد ويفضح غربة الكنيسة الانطاكية عن هويتها وجذورها .
وكما هو معروف، لأنطاكيا أهمية كبيرة عند المسيحيين في الشرق، فهي أول كرسي أنشأه بطرس الرسول قبل روما والإسكندرية والقسطنطينية والقدس. ورغم ذلك انطاكيا غائبة من حضور وذاكرة المسيحيين عامة والموارنة خاصة. وهي شبه منسية من الوجدان والهوية. فالبطريرك الماروني هو سيد بكركي عمليا لكنه «بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق» اسميا.
ماذا تعني عودة البطريرك الراعي الى الجذور؟ وماذا تعني انطاكيا اليوم؟ خاصة وهي اكثر من مكان في الجغرافية انها كرسي مرجع ونهج مؤسس. فما هي قواعد المدرسة الانطاكية؟
انطاكيا هي عاصمة المشرق في الزمن الروماني، عرفت بـ «مدينة الله» وفيها اتخذ تلامذة يسوع اسم مسيحيين. وقد أصبحت عاصمة فكرية أدبية لاهوتية، وإليها تنتسب معظم الكنائس الشرقية، منها انطلق التبشير بالمسيحية في المشرق، وغدت متقدمة على كل الكنائس، واكتسبت بعداً «مسكونياً». فيها اتخذ قرار بمنع الختان، وفصل المسيحية عن اليهودية، والتحرر من حرفية الناموس. وفي انطاكيا لم تعد المسيحية منحصرة بالمتحدرين من اصل يهودي، فأخذت بعدها الإنساني الرسولي المسكوني.
وتميزت المدرسة الانطاكية بالاتجاه العلمي والعملي، والواقعي التاريخي، بعيداً عـن الرمزية، ونظريات ما وراء الطبيعة، وهي اقرب إلى فلسفة أرسطو، وقد شهدت انطاكيا صراعاً دامياً مع اليهود وسلوكهم الانعزالي، كان من فصوله، اغتيال اليهود للبطريرك الانطاكي انسطاسيوس في العام 609م.
وطبعت الانطاكية بروحانية أصيلة، فازدهر التنسك في ربوعها، وهو حالة رفض واعتراض على الفساد والبذخ والترف المستشري في المجتمع يومذاك، وتعبير عن حركة إصلاح داخل الكنيسة عن طريق العودة إلى الجذور والعمق الروحاني .
تميزت المدرسة الانطاكية بتجذرها الثقافي واللغوي، والعربية هي عنصر جامع بين كافة الكنائس الإنطاكية، وهكـذا تجمع المدرسة الانطاكية بين الأصالة والوطنية والبعد الإنساني.
انطلاقاً من المدرسة الانطاكية، يمكن رسم معالم الهوية المسيحية المشرقية ومعناها ودورها، وخاصة المارونية لانها في نشأتها تعبير عن حركة تحرر وطني، ولدت في شمالي سوريا ضد الاستعمار الغربي، المتمثل يومها بالإمبراطورية البيزنطية، وهي استجابة حضارية للتراث الانطاكي الأصيل.
أهـم معالم المدرسة الانطاكية الالتزام برسالة الإنجيل كشهادة تعلم وإبداع ومحبة وتسامح، بعيداً عن العنصرية والعدوانية وإلغاء الآخر. وفي هذا المجال فان المسيحية المشرقية مدعوة إلى نقد مقولة صراع الحضارات، التي تخفي محاولات التحريض والإيقاع بين الأديان، ما يتطلب الفصل بين المسيحية الحضارية والإستراتيجية الأميركية في الهيمنة والتسلط والإمبريالية .
المسيحية المشرقية ملتزمة لاهوت الحرية والتحرر بسبب وجود تعارض بين الإيمان المسيحي الحقيقي والأصيل ومظاهر اضطهاد الإنسان وتفشي الفقر والجهل والظلم والحرمان .
المسيحية المشرقية في تاريخها تتجذر في بيئتها الحضارية، وفي محيطها الجغرافي التاريخي والاجتماعي. هذا التجذر في أرض المشرق يولد الشعور بالانتماء والأمان، وهو الرابط الأولي الضروري للخروج من حالة العزلة والاغتراب والإحباط والتردد، والانخراط في مسيرة بناء عروبة حضارية يعي المسيحي المشرقي دوره فيها، من حيث هو شريك فاعل في تجديدها، ومبدع خلاق في ثقافتها.
لم تواجه المسيحية المشرقية الأصولية بأصولية أشد، بل تجاوزت التخلف والفوضى بثقافة راقية وقيم أصيلة تحاكي المستقبل.المسيحية المشرقية تميز بين أفعال الكنيسة الطائفية والتوجه الحضاري الروحاني الإنساني للكنيسة، تؤمن بلاهوت الحرية والإنسان من جهة، ومن جهة أخرى تتبنى حرية الالتزام من دون خلط بين حق الشخص كمواطن حر وتوجه الكنيسة الحضاري، ومن دون تسخير الكنيسة لأغراض سياسية، أو منافع خاصة، أو مشاريع فئوية. لكل ذلك انحزنا إلى استعمال تعبير المارونية الحضارية تمييزاً عن الصفات التي ألصقت بها إبان الحرب الأهلية، ومنها المارونية السياسية، المارونية العسكرية، المارونية الانعزالية، المارونية الصهيونية...
انطلاقاً من هذه القواعد وفي زمن الربيع العربي المنتظر يواجه اليوم المسيحيون المشرقيون عامة والموارنة على الخصوص التحديات التالية:
1- الموالفة الحضارية بين الإسلام والمسيحية، والمشاركة في بناء عالم عربي جديد .
2- بناء عروبة مشرقية جديدة لا سيما أن الموارنة هم من رواد النهضة العربية، وهم تاريخياً كما يقول الأب يواكيم مبارك «من السريان المستعربة غير المتفرنجة»، وكتاب «الهدى» وهو دستور الكنيسة المارونية، ترجم إلى العربية عام 1054 م. والعربية هي لغة الموارنة منذ ذلك التاريخ .
3- إغناء اللاهوت المسيحي العربي لجهة بلورة الذات الوطنية المدنية الواحدة ببعديها الإسلامي والمسيحي، التي نشأت في المشرق العربي،وانتشرت منه إلى مختلف أنحاء العالم.
4- المارونية الحضارية اكبر وأوسع مـن لبنان، بينما الطائفة المارونية اصغر من لبنان، لذلك يجب فك الارتباط السياسي بين لبنان والموارنة، وهذا ما عبر عنه البعض بأن الموارنة وجدوا لخدمة لبنان وليس لبنان لخدمة الموارنة، بينما قال بعضهم سابقاً: «كلما صغر لبنان صغرت مشاكله، وكلما كبر لبنان كبرت مشاكله»، وذلك تعبيراً عن رفض بعض الموارنة لبنان الكبير وترويجهم مقولة لبنان حصن حماية وملاذ بينما هو رسالة حرية وعلم، وهو بالتالي اعظم مـن «ملجأ» .
6- تعميق الحوار بين مختلف الكنائس الشرقية التي تتوحد حول الانطاكية وتختلف بسبب انشقاقات وصراعات تاريخية. واليوم تشكل اللغة العربية وتحديات المستقبل والتراث الانطاكي القاسم المشترك من أجل استعادة وحدتها .
هذه التحديات التي تواجه المسيحيين المشرقيين، من اجل العودة إلى الذات للمصالحة مع التاريخ كما هو بمعطياته الاصيلة والمتجددة، والمكان بما فيه من غنى وتنوع وصعوبات وفرص كمدخل أساس من أجل قيامة حقيقية تعطي وجودههم معنى في هذا المشرق العربي.

كاتب سياسي ـ لبنان



عن السفير


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé