مقالات مختارة

الجهل أساس التعصّب الديني- النهار   08/08/2012

حدّثني صديقي الأستاذ الجامعي عن مدى افتقار تلامذته الى المعلومات العامة في مواد الديانات والحضارات والثقافات. ولاحظ لديهم، في الوقت عينه، التزاماً واضحاً وعميقاً وظاهراً للعيان بمعتقدات طوائفهم ومذاهبهم. الجهل الديني لا يلغي الإيمان والالتزام، لكنه بلا ريب يجعله التزاماً أعمى يلغي العقل والتفكّر السليم.
في بداية الفصل الجامعي، ولسنوات عدة، طرح صديقي على تلامذته بعض الأسئلة البديهيّة من أجل تكوين فكرة بسيطة عن معرفتهم بالديانات، فأصيب، للمرة الأولى، بما يشبه الصدمة، ثم ما لبث أن اعتاد هذا الجهل المطبق في السنوات اللاحقة. فتلامذته الجامعيون، مسلمين ومسيحيين، ما عدا قلة عزيزة، يجهلون، مثلاً، في أي سنة حدثت الهجرة من مكّة إلى المدينة؛ ولم يسمعوا بأسماء ابن رشد والغزالي وجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا (ومنهم طلاب من القلمون بلدته!). أما قاسم أمين داعية تحرير المرأة فمجهول لدى الطالبات... وبالمقابل، لا يعرفون شيئاً عن معتقدات المسيحية ومفكّريها الكبار...
وليس الطلاب الذين يؤيّدون العلمانية بأفضل حال من الطلاب الحريصين على إبراز انتماءاتهم الدينية، فهم لم يسمعوا بأي من دعاة العلمانية من المفكّرين العرب. فشبلي الشميّل وفرح أنطون (ومنهم طلاب من الميناء بلدته!) والمعلم بطرس البستاني (لا أحد من الطلاب عرف أين يقع دير عين ورقة حيث درس!) وقسطنطين زريق وميشال عفلق (مؤسس الحزب الذي حكم في العراق وسوريا لنصف قرن تقريباً!) أسماء لا تعني لهم شيئاً... أما ميشال شيحا فاسمه غير معروف حتى لدى غلاة القومية اللبنانية!
وأكّد صديقي أن المناقشات التي تجري في ساعات الدروس بين الطلاب، وإنْ كان يسودها روح الاحترام المتبادل، تحكمها في غالب الأحيان آراء مسبقة مشوّهة عن الآخر المختلف دينياً. فلا حرج على مَن يجهل ديانته من أن يجهل ديانة سواه، وأن يجادل في أمور لا يفقه فيها ألفها من يائها. في هذا السياق يسعنا، على سبيل المثال، إيراد بعض المواضيع المثيرة للجدل والتي تناولها المفكّرون العرب: مسألة الحجاب وتعدّد الزوجات، والزواج المدني، والدين والعلم (نظرية داروين عن النشوء والارتقاء، النظريات عن نشوء العالم)، وفصل الدين عن السياسة...
الجهل يقود إلى التعصّب. هذا ما أجمع عليه المفكّرون. غير أن بعض رجال الدين يستعملون منهجياً أسلوب التجهيل الديني عن الذات وعن الآخر المختلف لكي تدوم لهم السلطة على رقاب العباد وقلوبهم. وما تنامي التعصّب الديني والمذهبي في بلادنا سوى نتيجة طبيعية لانتشار سياسة التجهيل الديني الممارس على المنابر في المساجد والكنائس وعلى شاشات التلفزة وأثير الإذاعات وصفحات الجرائد.
إذا كان هذا حال الطلاب الجامعيين، وهم صفوة المجتمع ورجاء المستقبل، فماذا عن العامة؟ يعتقد صاحبي جازماً أن إسهامه في التعليم الجامعي رسالة سامية في سبيل إنشاء جيل يلتزم المعرفة الحق سبيلاً إلى علاقات دينية فضلى بين أبناء الوطن، تتأسس على الاحترام والانفتاح وقبول الآخر كما هو يدرك نفسه لا بناءً على تصوّرات وهمية مسبقة. هكذا، بفضل هذه الخميرة الطيّبة من الطلاب، يتمّ القضاء على الجهل والمنتفعين منه.

الأب جورج مسّوح


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé