مقالات مختارة

وجاء دور الأقليات بقلم جورج علم   17/08/2012

يأتي وزير خارجيّة فرنسا لوران فابيوس الى بيروت قبل شهر من موعد زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر الى لبنان، ليس هناك من جدول أعمال مشترك، لكن هناك شعور مشترك يختصره الخوف على ما تبقى من تنوّع حضاري يجمع ما بين الشعوب والثقافات في زمن الغلو والتعصّب والانغلاق.

ويبدو التزامن لافتاً، حيث يصل فابيوس بعيد الرسالة التي بعث بها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الى بطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام يؤكّد له فيها أن فرنسا "ستسهر على الحفاظ على مصالح الجماعات المسيحيّة وكل الأقليّات". ليس في هذا شيء من التطمين والاطمئنان، بقدر ما فيه من القلق على المصير الذي ستؤول اليه الأمور في سوريا، وأيضا في لبنان بعد الغارة العشائريّة المتلفزة التي استهدفت المواطنين في راحتهم واسترخائهم، خلال عطلة عيد انتقال السيّدة العذراء.

وتأتي زيارة الوزير الفرنسي في أعقاب فشل المجتمع الدولي في فرض مسار سياسي إنقاذي في سوريا، أو ربما لعدم رغبته في ذلك، لأن لعبة مصالحه تقضي باستمرار العنف كونه يؤدي الى مضاعفات، والمضاعفات تؤدي الى مستجدات مأساويّة، منها احتمال انفراط وحدة الدولة المركزيّة، ومعها وحدة الشعب والأرض.

إن رسالة هولاند الى البطريرك لحام، توحي وكأن الأزمة في سوريا قد دخلت مرحلة جديدة تسمح بالحديث عن مصير الأقليات، وعودة الدول الكبرى الى الاستثمار بمشروع المحميات في الشرق الأوسط.

وتأتي الزيارة، والرسالة (الرئيس هولاند)، متزامنتين مع اقتراح العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز خلال افتتاحه القمة الإسلاميّة الاستثنائيّة في مكة المكرّمة، والقاضي "بتأسيس مركز للحوار بين المذاهب الإسلاميّة، للوصول الى كلمة سواء، يكون مقرّه مدينة الرياض، ويعيّن أعضاؤه من مؤتمر القمّة الإسلامي"... كان يؤمل ان تطلق قمّة مكّة المكرّمة مساراً سياسيّاً لمعالجة الأزمة في سوريا، وإذ بالحديث يدور حول المذاهب، وكيفيّة الوصول الى كلمة سواء في ما بينها، وهذا ما يفضي الى فتح القاموس الأقلوي لاستنتاج عناوين كثيرة "تطربش" مرحلة الفلتان الأمني، من مذهبيّة، الى عشائريّة، الى فئويّة ومناطقيّة، على غرار موجات الخطف الأخيرة، وما رافقها ويرافقها من انفلات للغرائز والعصبيات.

ويبقى التزامن لافتاً: فرنسا هي الرئيس الدوري لمجلس الأمن هذا الشهر (آب)، ويجول الوزير فابيوس على كلّ من الأردن ولبنان وتركيا قبل انعقاد المجلس على مستوى وزراء الخارجيّة، بدعوة منه، لبحث الأزمة الإنسانيّة في سوريا، والهدف من جولته التهيئة لهذا الاجتماع، بمعنى أنه سيطلع من المسؤولين والمعنيّين على أعداد اللاجئين السوريين في الدول الثلاث وأوضاعهم، بهدف تحضير ملف متكامل يكون له وقعه في مجلس الأمن، يحفّز كلّ من الصين وروسيا للتخلي عن حق النقض "الفيتو"، والانخراط مع أكثريّة أعضاء المجلس لتقديم المساعدات الإنسانية للنازحين، كما سيغتنم الفرصة ليعلن من بيروت عن زيادة المساعدات الفرنسية، والمقدّرة حاليّاً بـ100000 يورو للمفوضيّة العليا لشؤون اللاجئين، و180000 يورو للجمعيات الأهلية الفرنسية في لبنان، و100000 يورو لبعض المؤسسات اللبنانية المعنيّة بمشاريع داخلية.

أن تكون الزيارة مخصصة لهذا البعد الإنساني فهذا ليس بالقليل، لكن ماذا عن الحل؟ ماذا عن وقف هذا النزف الإنساني؟ وماذا عن الجهود العربية والإقليمية والدولية لوضع حدّ لهذه المأساة؟ لا جواب حتى الآن، او أقلّه لا جواب مقنعاً. فقط الحديث المتاح هو عن النازحين، وأعدادهم التي تتضاعف مع اتساع دائرة حروب الآخرين على أرض سوريا. والحديث الآن هو عن الأقليات، ومَن يحمي من؟ وكيف باستطاعة من هو متمكّن أن يحمي، ألّا يبادر الى معالجة الأسباب، بدلاً من معالجته النتائج؟.

ومع الانطلاق بجولته في المنطقة، شهدت بيروت انقلابا عشائريّا عبر شاشات التلفزة ضدّ الدولة ورموزها، والحكومة، والمؤسسات، ولم توفر المقامات والكرامات، وإذ بالخطف يتمّ مباشرة على الهواء بالصوت والصورة، وعلى خلفيات سياسيّة ومذهبيّة، وبدأت تلوح في الأفق الغيوم السوداء، ومعها المخاوف من اندلاع الحروب الأهليّة، في ظلّ انخراط دولي - إقليمي - عربي غير مسبوق لصبّ الزيت على النار الملتهبة، التي قد لا توفر مع اتساعها الجمهوريات اللبنانية المتناحرة.

يأتي فابيوس الى لبنان قبل شهر واحد من موعد زيارة الحبر الأعظم، رافعاً لواء إعانة النازحين السوريين، والحرص على الأقليات، فماذا ترك للبابا من جدول أعمال مغاير؟!.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé