مقالات مختارة

من هو الخائف ومن هو المخيف، في لبنان وعلى النطاق الإقليمي؟ - محمود حداد - النهار   03/10/2011

الخوف والتخوف من الطائفة السنية على النطاق الاقليمي مسألة لها ما قبلها وما بعدها. فمع ان هناك افرادا من السنة ينتمون الى تنظيمات اسلاموية، فإن الطائفة السنية ككتلة، ليست في وضع هجومي، بل دفاعي وخائف في انطاكية وسائر المشرق...

لا بد من شكر البطريرك بشارة الراعي لاعلانه الصريح عن تخوفه من الطائفة السنية في لبنان والمنطقة. فقد أنقذنا البطريرك من المقولة التبسيطية التي تفسر الفرق بين الاسلام والمسيحية بأن الأول "دين ودولة" لا انفصام بينهما مهما فعل أو اجتهد المجتهدون بينما العكس صحيح في المسيحية حيث يتم "اعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله". ويبدو ان الطوائف في لبنان أقرب عمليا من بعضها لسوء حظ المنظرين. ولقد أثبتت القمة الروحية في دار الافتاء أنها، كمجموعة، غير مهتمة بالأرواح المتساقطة وسد شلال الدم المتدفق في الجوار بل بطمأنة بعضها البعض سياسيا قبل كل شيء.
الا أن علينا أن نحاول تفسير هذا الشعور المعادي بين جزء وازن من قيادات الطوائف المسيحية الرئيسة، خاصة الموارنة ضد الطائفة السنية وممثلها الشعبي الرئيس المغدور رفيق الحريري، وبعده الرئيس سعد الحريري، (بدعوى أن الأصولية منتشرة بين السنة) والتحالف في الوقت نفسه مع "حزب الله" الشيعي الذي يحمل أيديولوجيا دينية واضحة على ما نظن!
بداية، لبنان دولة (ومجتمعات) طائفية. ولم تستطع أو لم ترغب النخب اللبنانية ( الطائفية وغير المتدينة بالضرورة) تغيير هذا الواقع حتى الآن فقبلت به. أما الديموقراطية اللبنانية فتوافقية تعطي كل قيادة طائفة، قطعة، وإن غير متساوية، من "الكعكة السياسية". ولقد وزع النظام اللبناني حصص الطوائف منذ "الميثاق الوطني" في 1943 فجاء توزيع المناصب الأولى في الدولة على الشكل المعروف. الإ أن هذا الوضع لم يكن يحمل معه توزيعا متوازيا في السلطات الفعلية فكان النظام نظاما رئاسيا بإمتياز ينفرد رأس الدولة الماروني بمعظم القرارات التنفيذية. لذلك، كانت الأزمات والإحتكاكات مستمرة، وإن بوتائر مختلفة، بين جميع مكونات الدولة خاصة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.
وأدى هذا الى إطلاق تسمية "المارونية السياسية" على نهج النخبة المارونية الحاكمة والمتحكمة فعليا بمفاصل الدولة والمرافق الإقتصادية الرئيسة يعضدها في ذلك إحتكار السلاح الشرعي المتمثل بالجيش الخاضع لنفوذها أيضا. وتطلب الأمر المرور بأزمتين وطنيتين/إقليميتن مسلحتين واحدة قصيرة في 1958 وأخرى طويلة في 1975-1989 حتى أمكن التوصل الى شبه ميثاق وطني جديد هو "إتفاق الطائف".
وكان مجيء الرئيس رفيق الحريري الى رئاسة الوزاء مدعوما بقدراته المالية الكبيرة وبزخم عربي ودولي عريض من ناحية، وإستمرار الوجود العسكري السوري في البلاد بعد 1989 وإخراج العماد عون من القصر الجمهوري بالقوة عام 1990 من ناحية ثانية، قد أعطى إنطباعا خاطئا لدى ممثلي الطوائف المسيحية أن "اليمين الجديد" قد إحتكر، بمساندة سورية - سعودية، السلطة في البلاد وقام بإبدال "المارونية السياسية" بـ"سنية سياسية". ونشأت تبعا لذلك حساسية سياسية مسيحية- سنية على أساس إنقلاب الأدوار بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء. وعزز هذا الإنطباع المغلوط أن الرئيس الحريري بشخصيته الواثقة والكاريزمية أطلق بسياساته الداخلية والخارجية عند اليمين المسيحي ما وصفه أحد علماء النفس بـ "غيرة الفروقات أو إلإختلافات الصغيرة". فهو كان رجل أعمال جمع ثروة من العمل خارج لبنان وركز على أهمية " الكيان اللبناني" ودعا الى النظام الإقتصادي الحر وتوسيع دور القطاع الخاص ولم يخف الجانب الرأسمالي الآخر بمفاهيم "الاشتراكية" و"القطاع العام" التي كانت سائدة في المحيط العربي في الخمسينيات والستينيات. كذلك، كان على علاقة وثيقة بالغرب الأميركي والأوروبي وخاصة فرنسا التي ينظراليها جمهور الكتلة المارونية، تاريخيا، نظرة الابن الى "الأم الحنون".
وقد تمكن الرئيس الحريري من إعلان سياساته تلك وممارستها في ظل أيديولوجية العولمة ووضع دولي وعربي عام مؤات لهذا التوجه من زعيم إسلامي جماهيري إثر إنهيار الإتحاد السوفياتي وكتلته في نهاية الثمانينات وإختفاء ظاهرة "التقدمية" عن أوصاف مجموعة من الدول العربية وإسقاط هذه الدول وغيرها سياسة مواجهة إسرائيل، ولو إختلف الأسلوب من المباشر الى المداور ومن المجاهر الى الممانع. أي، وضع الحريري نهاية لإحتكار الطوائفية المسيحية للكيانية اللبنانية ونزع سلاحها الأيديولوجي بواسطة تبني هذه الأيديولوجية ذاتها.
لم يكن الرئيس الحريري وحيدا في هذا النهج الجديد، بل شاركه فيه مجموعة من رجال الأعمال المسلمين والمسيحيين الذين صنعوا ثرواتهم بسرعة نسبية خارج البلاد ثم عادوا بعد إنتهاء الحرب الأهلية/الإقليمية بإندفاع وتدافع لافت للعب دور سياسي على الرغم من الأثمان المادية والمعنوية التي كان عليهم تقديمها لسلطة الأمر الواقع الإقليمية. وكان من الطبيعي أن ينشأ تنافس بين أفراد هذه الفئة، خاصة أن شخصياتها السنية تحديدا أرادت منافسة الرئيس الحريري مع أنها لم تحمل مشروعا سياسيا - اقتصاديا مستقلا ومتكاملا مماثلا أو بديلا من مشروعه السياسي - الاقتصادي وان ظلت حاملة أيديولوجيته ذاتها في ساحة سياسية شبه فارغة بسبب غياب وإنقضاء صلاحية الزعامات التقليدية وكذا معظم الأحزاب العقائدية السابقة التي تحولت الى التنظير الفصيح لمصلحة الأجهزة الأقليمية.
وكان لا بد أن يكون سقف هذه المنافسة منصب رئاسة الوزراء بالنسبة للشخصيات الإسلامية. وحيث انّ الرئيس الحريري كان الممثل الأبرز لهذا النهج. ولأن جزءا من القيادات المسيحية قاطعت الإنتخابات في مرحلة سيره تحت غطاء سوري - سعودي إقليمي مرة وتحت غطاء سعودي فقط مرة أخرى، إستطاع تكتل الحريري الهيمنة على الحياة السياسية في البلاد مما أحدث ردة فعل عند "اليمين القديم" عبر عنها إتجاه العماد عون الذي رفع شعار أن "لا أحد يمثل المسيحيين الإ المسيحيين" معلنا معارضة شديدة للرئيس الحريري ومنتقلا من العداء الشديد للنفوذ السوري قبل 2005 الى التحالف الوثيق معه ومع حلفائه في "حزب الله".
بالتزامن مع هذا، دخل " يمين ثالث" على خط السياسات اللبنانية. فقد تمكن "حزب الله" من إحتكار مقاومة اسرائيل في الجنوب، آخذا في الإعتبار أيديولوجية ايران وسياسة سوريا تجاه الطوائف اللبنانية الأخرى. وقد أدت انجازاته القتالية وتحالفاته المعروفة وتضخم جناحيه العسكري والمدني واستدارته من مواجهة الخارج الى مواجهة الداخل الى إغلاق المناطق ذات الأكثرية الشيعية على نفوذه الحصري مما أوجد " شيعية سياسية" أولا ثم، وبسبب عدم وجود قوى عسكرية رسمية أو غير رسمية موازية، "شيعية سياسية- عسكرية" على النطاق اللبناني العام تفرض رأيها فيه.
اذا، تغير التوازن الجديد بين الفريق الاسلامي مجتمعا والفريق المسيحي مجتمعا وأصبحت "الشيعية السياسية - العسكرية" هي المسيطرة فعليا على شؤون البلاد الرئيسة. لهذا، كان إطلاق تسمية "الفريق الحاكم" على تيار 14 أذار أو "تيار المستقبل" يحمل قدرا من المبالغة لأن هذا الفريق وإن كان يملك غالبية برلمانية من الناحية القانونية De Jure الا أن افتقاده لدعم عسكري اقليمي وتوفر هذا الدعم لفريق 8 اذار بقيادة "حزب الله"، كان يعني واقعيا أن فريق الأقلية كان هو الفريق الحاكم واقعيا De facto. لذلك، استطاعت المعارضة وقتها فرض شرطها بالحصول على الثلث المعطل في وزارة الرئيس سعد الحريري بعد مؤتمر الدوحة عام 2008 وتخلت تلك الجهة نفسها بسهولة عن وعدها بإعطاء هذا الحق نفسه للمعارضة الجديدة الممثلة بفريق 14 أذار في الوزارة الحالية المولودة في حزيران 2011. وكانت أحداث 7 أيار2008 قد أظهرت بوضوح من هو الخائف ومن هو المخيف في الوطن اللبناني وعاصمة قراره.
ان تحالف تيار "المارونية السياسية الجديدة" الممثلة بالعماد عون، مع "الشيعية السياسية" الممثلة بـ"حزب الله" يعود الى جملة أسباب محلية واقليمية لا يمكننا البحث فيها هنا، الا أن استمرار هذه الظاهرة، على الصعيد الشعبي، يعود في جوهره اليوم الى أسباب نفسية محلية قائمة على خوف غير مبرر من ناحية، وأسباب اقليمية أهم تتصل بمحاولة اقامة " حلف أقليات" كما أشار الاستاذ وليد جنبلاط من ناحية أخرى.
أما الخوف والتخوف من الطائفة السنية على النطاق الاقليمي كما عبر البطريرك الراعي فمسألة لها ما قبلها وما بعدها. فمع أن هناك أفرادا من السنة منتمون الى تنظيمات اسلاموية، فان الطائفة السنية، ككتلة، ليست في وضع هجومي، بل دفاعي وخائف في انطاكية وسائرالمشرق كما هو واضح من التطورات الجارية من العراق الى لبنان مرورا بسوريا ومنذ ما قبل 7 أيار 2008.
أما التوجس البطريركي من "الأواني المستطرقة" الطوائفية بين سكان المشرق المسيحيين والمسلمين على السواء والاتصال والتواصل بينها فهو ينسى أن السنة، ككتلة أيضا، والذين كانوا في الحكم في سوريا في 1943 لم يعارضوا استقلال لبنان. اضافة، فان هذا الطرح ينزع عن " الكيانية اللبنانية" صفة "الوطن النهائي" الذي قال به اتفاق الطائف نزولا عند اصرار القيادات المسيحية. وعلى هذا الأساس، لا بد للذين ينظرون الى المنطقة ككيان عربي متكامل، وان علماني، أن يشكروا البطريرك الراعي ثانيا وثالثا لانه أعطاهم سببا اضافيا لتأكيد اقتناعاتهم التي لا تصر على التمسك بالكيانات الصغيرة غير القابلة للحياة في المدى الطويل بمعزل عن محيطها. وهو اعلان اخر، من رجال الدين هذه المرة، أننا أمة واحدة... والحقائق لا تظهر الا في الأزمات.

( استاذ جامعي في مادة التاريخ الحديث)


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé