مقالات مختارة

مسيحيو الشرق بين التهجير والتفجير   03/09/2012

ميرنا قرعوني

بعد مرور أكثر من عام على بداية ثورات التغيير في العالم العربي أصبح واضحا ان الشرق الاوسط يشهد تعزيز دور التيارات الاسلامية في الحكم بعد ان كانت هذه التيارات تنمو في الكثير من المجتمعات العربية في الظل ولمدى عشرات السنين وتنظم صفوفها، لا احد ينكر ان هذه التيارات كانت تحارب من الانظمة السابقة وهي في الوقت الحالي أيضا تثير مخاوف العديد من القوى والأحزاب السياسية وقطاعات واسعة من الجمهور العربي وهناك حالة من الترقب والانتظار حول الطريقة التي ستحكم بها هذه التيارات، فالخريطة السياسية أصبحت واضحة في بلدان الشرق الأوسط التي شهدت التغيير هي تتجه نحو حكم الإسلاميين لا محال، ولكن في ظل هذا الاتجاه مجموعة من التساؤلات تطرح نفسها حول مستقبل المسيحيين في هذه البلدان و واقعهم الحالي.

يشكل المسيحيون في الوقت الحالي أقلية في منطقة الشرق الاوسط على الرغم من ان ميلاد هذه الديانة كان في منطقة الشرق وكانوا يشكلون فيما مضى أكثرية، وعلى مدى السنين بدا عدد السكان المسيحيين بالتناقص تدريجيا بسبب عدة عوامل سياسية تتمثل بالتغييب المسيحي عن الحكم اجمالا في معظم البلدان العربية باستثناء لبنان حيث أن رئيس الجمهورية يجب ان يكون مسيحيا حسب العرف، وديموغرافية حيث ان المسيحيين يميلون إلى تقليص الانجاب مقارنة بالمسلمين ، مما دفعهم الى الهجرة نحو اوروبا وأميركا بحثا عن فرص أفضل للحياة ، بينما أدى الاحتلال الإسرائيلي إلى تهجير معظم المسيحيين من فلسطين المحتلة عامي 1948 و 1968 تحت وطأة الاستيطان والتمييز ، في حين تعرض الوجود المسيحي لنكبة كبيرة وتهجير واسع النطاق في ظل الاحتلال الأميركي .

يتوزع المسيحيون على كافة الدول العربية سواء في مصر ، لبنان ، العراق ، سوريا، فلسطين، الأردن ودول الخليج، في الوقت الحالي تزيد الأحداث التي تشهدها بعض الدول العربية من مخاوف المسيحيين سواء في مصر التي شهدت سلسلة من الاعتداءات على مراكز دينية مسيحية أم في سوريا التي استهدفت فيها عمليات إرهابية أحياء مسيحية و بعض الكنائس .

اقباط مصر بعد البابا شنودة

يشكل الاقباط في مصر أقلية مقارنة بالاكثرية المسلمة فهم يمثلون حوالي 10 بالمئة من عدد سكان مصر، ويعتبر الأقباط أكبر طائفة مسيحية في منطقة المشرق، وهم يعانون الى حد ما من التهميش السياسي والاجتماعي ، ومع الصعود الاسلامي منذ بداية الثورة المصرية ازدادات مخاوف الاقباط على مستقبلهم وتضاعفت هذه المخاوف مع رحيل البابا شنودة الثالث الذي كان بمثابة صمام الأمان بالنسبة للاقباط سواء على الصعيد الاجتماعي ام السياسي فهو حافظ على ترابطهم وكان يتمتع بكاريزما خاصة واستطاع خلال قيادته للكنيسة القبطية أن يوفر لها حصانة قومية ووطنية و أن يعزز الشراكة في الحياة العامة من خلال مواقفه المناصرة لقضية فلسطين و لحركات المقاومة في المنطقة وعبر معارضته الشهيرة لاتفاقية كمب ديفيد التي دفعته للتصادم مع حكم الرئيس أنور السادات وهو ما أكسبه شعبية كبيرة لدى المصريين و العرب عموما .

مسيحيو سوريا والتفجيرات الأخيرة

يشكل المسيحيون حوالي 15% من سكان سوريا وهم يعيشون في دمشق وحلب وعدد من البلدات في اللاذقية وحمص ودرعا والبعض في منطقة الجزيرة في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا ، ومن المعروف أن سوريا تشهد تعايشا بين الديانات في ظل دولة علمانية يتمتع فيها المسيحيون بحرياتهم الدينية والشخصية ويشاركون في العمل العام دون تمييز ويمارسون شعائرهم الدينية بحرية ولديهم حضور سياسي بارز، ولكن سلسلة التفجيرات التي استهدفت عدة أحياء مسيحية في كل من دمشق وحلب أثارت الذعر في نفوس الأقلية المسيحية في سورية، مخافة استهدافهم في ظل أحداث العنف الجارية بعد إعلان تنظيم موال للقاعدة عن تبنيه للتفجيرات الأخيرة، و ينظر المسيحيون بثقة إلى الدولة الوطنية ورئيسها بشار الأسد الذي أظهر حزما في التصدي للنزاعات الطائفية ولمحاولة المس بالوحدة الوطنية للشعب السوري وقد وقفت القيادات الروحية المسلمة والمسيحية في البلاد ضد موجة الإرهاب والتطرف التي يقودها الأخوان المسلمون والتكفيريون وتحظى بدعم غربي .

مسيحيو لبنان والموقف من الراعي

يشكل مسيحيو لبنان أقل من 40 بالمائة من عدد السكان، أي حوالي 1.5 مليون مسيحي، غالبيتهم من الموارنة، وتتميز الطوائف المسيحية اللبنانية في المشرق بالدور السياسي الهام الذي تلعبه في البلاد، فرئيس الجمهورية بحسب العرف،ماروني المذهب، وعدد مقاعد المجلس النيابي موزعة مناصفة بين المسلمين والمسيحيين إضافة إلى المناصب الوزارية ووظائف الدرجة الأولى وقد تفاعل المسيحيون اللبنانيون بقلق كبير مع الأحداث التي شهدتها سوريا وحذر البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال زيارته لفرنسا من دعم الغرب للمتطرفين ونوه بدور سوريا ورئيسها في رعاية الوجود المسيحي في الشرق .

وتساهم بعض القيادات المسيحية المتطرفة في تغذية القلق لدى جمهورها بينما صبت جام غضبها على البطريرك الراعي ومواقفه مسايرة السياسات الغربية الهادفة لتحويل لبنان إلى منصة في الحرب على سوريا ، وبنى هؤلاء خطابهم على وهم قيام التوازنات التي تحقق حلمهم القديم بتقسيم لبنان إلى كانتونات طائفية.

مسيحيو العراق ما بعد الغزو

يشكل مسيحيو العراق حوالي 3 بالمائة من عدد سكان بلاد الرافدين، أي نحو 600 ألف مسيحي بينهم 400 ألف كاثوليكي كلداني وسرياني. و تدهور وضع الطوائف المسيحية في العراق منذ سقوط نظام الرئيس صدام حسين عام 2003، و منذ احتلال القوات الأميركية للعراق يمر مسيحيو العراق بظروف قاسية وهجرت غالبيتهم إلى سوريا والذين امتنعوا منهم عن الهجرة لغاية اليوم انتقلوا للعيش في كردستان .

يتواجد المسيحيون في دول عربية أخرى وهم أقليات أيضا في تلك الدول ولا تختلف مخاوفهم من استحواذ الجماعات الإسلامية بالحكم في الدول العربية ليس ما يجري في البلاد العربية مصادفة وتعزيز مخاوف المسيحيين في هذه الدول ليس ظاهرة عارضة ، فالمطلوب هو تفتيت النسيج الوطني للدول العربية خصوصا تلك المحيطة بفلسطين وتحويله إلى دويلات مسيحية، سنية، شيعية، و درزية متناحرة ومتناثرة ، وإغراء المسيحيين بالعيش في أوروبا وأميركا حفاظا على حياتهم وكل ذلك يصب في المصلحة الإسرائيلية فكلما أضعفت الدول الوطنية التي تجاورها كلما قل الضغط عليها وقلت نسبة التهديدات التي تحيط بها ، و هذا المخطط التفتيتي يعود إلى خرائط قديمة رسمتها الحركة الصهيونية منذ عهد بلفور و يخرجها الغرب إلى طاولة التداول في كل موجة من الحملات التي يشنها في المنطقة وهي تبدو اليوم حاجة محورية لحماية إسرائيل التي فقدت هيبة الردع في حروبها الأخيرة وباتت تخشى على وجودها من أي مواجهة مقبلة.

رابط


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé