مقالات مختارة

عبور الحرية بابها فصل الدين عن الدولة - الأب جورج مسّوح - النهار   03/10/2011

ليس ثمّة داعٍ لإعادة التذكير بأنّ المسيحيّين في بلاد المشرق العربيّ لم يسلكوا يومًا مسلك الأقلّيّات. ولم يتملّكهم في يوم من الأيّام هاجس الخوف من المسلمين، بل أسهموا معًا في النضال ضدّ الأجنبيّ المسلم والمسيحيّ على السواء. ولنا في حقبتَي حروب الفرنجة والدولة العثمانيّة خير مثال على هذه الشركة واللحمة التي جمعت أبناء هذه المنطقة، مسلمين ومسيحيّين، ضدّ الاعتداءات والاحتلالات الغريبة التي تزعم الانتماء إلى الإسلام أو إلى المسيحيّة. غير أنّ المسيحيّين الحاليّين لا يسعهم القبول بالوضع الذي عاش في ظلّه أجدادهم، في ظلّ الدولة الإسلاميّة ونظام أهل الذمّة اذ ارتضى هؤلاء الأجداد وضعهم الدونيّ بإزاء المسلمين ضمانةً لوجودهم وحضورهم وبقائهم. ولسنا هنا في نطاق إنكار ما قدّمه نظام أهل الذمّة من إيجابيّات، إلى جانب السلبيّات العديدة، لغير المسلمين في الدولة الإسلاميّة. فذلك النظام، إذا وضعناه في سياقه التاريخيّ، أي قبل عصر المساواة وفصل الدين عن الدولة، كان نظامًا متقدّمًا ونموذجيًّا في دول تقوم أساسًا على تفوّق العنصر الدينيّ للحكم على أيّ عنصر آخر.
منذ القرن التاسع عشر بحث المسيحيّون عن صيغة تُخرجهم من وضعيّتهم الدونيّة، ويجدون فيها أساسًا لمستقبل واعد وزاهر. ولم يغرب عن بالهم موضوع الشراكة مع المسلمين، لذلك نأوا بأنفسهم عن أيّ صيغة يمكن أن ينشب عنها عداءٌ مع محيطهم الطبيعيّ. من هنا، وقع خيارهم على ما يجمع أبناء المنطقة كافّة، لا على ما يفرّقهم. وانطلاقًا من إيمانهم بالتاريخ المشترك والمصير الواحد دعوا إلى فصل الدين عن الدولة. فالدين يفرّق ويميّز بينهم وبين المسلمين، فيما تجمعهم الحضارة الواحدة واللغة الواحدة، ويجمعهم انتماؤهم إلى القوميّة الواحدة أو إلى الوطن الواحد.
ارتبطت الحرّيّة إذًا عند هؤلاء المفكّرين المسيحيّين بفصل الدين عن الدولة. وليس ممكنًا أن تحترم الدولة الدينيّة، إسلاميّة أم مسيحيّة، الحرّيّات العامّة. ذلك أنّ الدولة الدينيّة بحكم طبيعتها ونظامها دولة منحازة وتمييزيّة، ولا يهمّها أن تساوي بين رعاياها في الحقوق والواجبات. من هنا، لا يستقيم شرط احترام الحرّيّات إلاّ بإبعاد العامل الدينيّ عن التحكّم بالعلاقات بين مواطني الدولة الواحدة. الحرّيّة وفصل الدين عن الدولة صنوان، إمّا أن يسيرا معًا وإمّا أن لا حظّ لهما بالوجود مطلقًا.
عندما يخشى المسيحيّون من الغموض الذي يعتري مآلات الحوادث الجارية على امتداد العالم العربيّ، لا يكون ذلك نابعًا من عقدة الأقلّيّة الدينيّة المعرّضة للخطر، ولا انطلاقًا ممّا يسمّيه بعضهم بتحالف الأقلّيّات، بل تنبع هذه الخشية لديهم من حكم دينيّ سوف يعيدهم قرونًا إلى الوراء، من حكم دينيّ يحرمهم من الحرّيّة التي ناضلوا من أجل اكتسابها مدى قرنين من الزمن على الأقلّ. وهذا لا يعني البتّة أنّهم يحيون هذه الحرّيّة في ظلّ الأنظمة الاستبداديّة القائمة، بل يتوقون إلى التقدّم لا إلى التخلّف أو المراوحة حيث هم.
لن يقف المسيحيّون حجر عثرة أمام ما ستؤول إليه خيارات الشعوب العربيّة. لكنّ حقّهم المشروع الذي لا يمكن أحدًا أن يستهجنه هو أنّهم يرغبون رؤية أنظمة متطوّرة على صعيد احترام حقوق الإنسان وكرامته. الدولة الاستبداديّة، دينيّة أم غير دينيّة، شرّ يجب استئصاله بالقول والفكر والفعل.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé