مقالات مختارة

الصايغ لـ"النهار": على مسيحيي لبنان ألا يشعروا برهاب الأقلية بقلم بيار عطاالله   06/09/2012

لمستشار الرئيس سعد الحريري الدكتور داود الصايغ هاجس واحد في مقاربته لزيارة البابا الى لبنان، يتلخص بعنوان "مسيحيو الشرق والعلاقة مع الطوائف الاسلامية من أجل غد افضل". وتحت هذا العنوان يقرأ الصايغ ان مسألة مسيحيي الشرق مطروحة منذ سنوات، لكنها ازدادت الحاحاً بعد احداث العراق التي يصفها بـ "الكارثة على الشعب العراقي"، وتالياً فإن زيارة البابا الى لبنان ليست زيارة لبلاد الارز بل لكل مسيحيي الشرق وللتعبير عن موقف صارم بأن كل بلد عربي فيه مسيحيون انما هو موضوع عناية ومراقبة من الفاتيكان والكنيسة العالمية، لتتحول الزيارة تعبيراً عن موقف تاريخي من وجود المسيحيين وكيانهم وحضورهم وحريتهم ومستقبلهم في العالم العربي.
والسؤال الذي يطرحه الصايغ على نفسه وامام الرأي العام يتلخص بالتساؤل عما يمكن الكرسي الرسولي ان يفعله وسط هذه الظروف المضطربة في الشرق الاوسط؟ والجواب كما يقول لـ"النهار" يكون من خلال الاشارة الى مستويات عدة، اولاً: شعب الكنيسة الكاثوليكية ومؤمنوها الذين يتجاوز عددهم ملياراً و300 مليون يعتبرون بابا روما مرجعيتهم الروحية الابرز. ثانياً: الديبلوماسية الفاتيكانية وحركة البابا النشيطة دولياً لدى الدول والحكومات، وهذه الديبلوماسية اضطلعت كما يقول الصايغ بدور حاسم في حفظ لبنان وصون وحدته، وتشكل تالياً ابرز محور مساند لقضايا العرب المسيحيين والمسلمين جميعاً. لكن الاهم ان ما يميز السياسة الفاتيكانية هو انها لا تنطلق من مصالح مادية مباشرة في حركة فعلها السياسي، بل من التزاماتها الروحية والايمانية لما فيه الخير العام للانسانية.
الأمور بالنسبة الى الفاتيكان ليست مجرد افكار عامة، وانما ستلامس القضايا الساخنة والملتهبة في الشرق. وفي الازمة السورية كان موقف وزير خارجية الفاتيكان واضحاً بالنسبة الى التشديد على نبذ العنف والمواطنة الكاملة والحقوق الشاملة لكل المواطنين السوريين، والتجاوب مع التطلعات المشروعة للشعب السوري، سنّة وشيعة ومسيحيين على حد سواء. ولم يكتف الفاتيكان بذلك بل شارك في مؤتمر "اصدقاء سوريا" المؤيد لحراك الشعب السوري وانتفاضته، وتالياً فإن الكرسي الرسولي لا يمكن الا ان يكون الى جانب الشعوب العربية وحقها في تقرير المصير والديموقراطية وحرية التعبير والحريات العامة وحق المعتقد وحرية العبادة. ويشدد الصايغ على ان جملة العناوين السالفة كانت موضوع اهتمام وعناية في الوثيقة الصادرة عن الازهر وتحديداً لجهة التشديد على مبدأ "التوقف عن البحث في ضمائر الآخرين". ويؤكد الصايغ ان هذا الموقف المتقدم للازهر او المرجعية الاسلامية الاولى في العالم، يلقى كل ترحيب من الفاتيكان وفي لبنان خصوصاً، علماً ان لبنان ادرج حرية المعتقد في دستوره الاول منذ عام 1962. ويعلق: "ان كل عذاباتنا في لبنان هي بسبب الاصرار على حرية المعتقد".

مواقف تستلهم السينودس

يرى الصايغ ان الارشاد هو نتاج عمل كبير قبل المجمع وخلاله وبعده، وتالياً فإن مواقف البابا بينيديكتوس السادس عشر لن تقتصر على النصوص الجامدة بل ستكون له مواقف عدة تستوحي الارشاد الرسولي وتتقاطع معه والى جانبه. وبهذا المعنى يمكن فهم اختيار رأس الكنيسة الكاثوليكية لبنان منبراً ليتوجه من خلاله الى مسيحيي الشرق، في دلالات عدة، في مقدمها التركيز على اهمية الوجود المسيحي الحر والفاعل في لبنان واهميته أيضاً كنموذج بالنسبة الى كل مسيحيي الشرق وتأكيد أهمية قيم الحياة معاً والعيش المشترك كقيمة فاتيكانية الى جانب النموذج اللبناني في الديموقراطية والتنوع وحقوق الانسان.

"جميعنا اقليات"

عن مسألة الاقليات وتحالفها وتفاهماتها على حساب الاكثرية السنية في العالم العربي، يرى الصايغ ان الكلام عن الاقليات بعد "الربيع العربي" يجب ان يخفت تدريجا على ان يقابله ارتفاع في منطق حقوق الانسان والمواطنة. اما في لبنان فالجميع اقليات وليس هناك من طائفة بامكانها الادعاء انها اكثرية غالبية مقارنة مع مجموع الطوائف الاخرى. واما التذرع بحماية الانظمة للاقليات وتظهير ما يسمى مبدأ الحمايات، مثل حماية البعث العراقي لمسيحيي العراق، فقد ثبت انها مجرد وهم لم يستمر بل تلاشى، وان نظرية حماية الاقليات تنطوي على افلاس تام. ويقدم الصايغ النموذج العراقي كنموذج فاشل ومعبر عن سقوط مبدأ الحمايات. اما مسؤولية الاميركيين عما تعرض له العراقيون، فيشير الى ان الاميركيين لا يتحسسون مشاكل مسيحيي الشرق ولا يكترثون لها وجل ما يعنيهم من المسألة سياسة حفظ مصالحهم الحيوية التي تتقدم كل الاعتبارات.

اليسوعيون مع الانتفاضة

في مقاربة موقف الكنيسة الكاثوليكية من انظمة الحكم الشمولية، يشدد الصايغ على معارضة الكنيسة لها، ووقوفها الى جانب اي نظام او سلطة تؤمن الحريات العامة وحقوق المواطنة وحقوق الانسان. اما موقف الكنيسة الروسية الارثوذكسية الداعم للنظام في سوريا، فيرى انه ليس بعيداً عن اعتبارات الحكم الروسي والتناغم ما بين السلطتين الزمنية والدينية في روسيا. وكذلك يشير الى موقف بعض رؤساء الطوائف الآخرين، مسلمين سنة ومسيحيين ممن يؤيدون النظام السوري على قاعدة الخشية من تهديد مصالحهم. لكنه يعود ليؤكد ان الموقف الاساسي للكنيسة الكاثوليكية هو ما يعبر عنه الفاتيكان الحريص على حقوق الانسان وعلى الوجود المسيحي، وتالياً فإن موقف الآباء اليسوعيين المؤيد للثورة في سوريا ليس بعيداً البتة عن موقف الفاتيكان وليس منفصلاً عنه. ويذكر الصايغ مرات عدة بالعودة الى موقف وزير خارجية الفاتيكان في هذا الشأن.
المعضلة بالنسبة الى طرح الصايغ هي ان ثمة من يطرح مسألة الخطر على المسيحيين بذريعة وصول حكم اسلامي متشدد ويضع مسيحيي الشرق امام الاختيار الصعب بين نظام ديكتاتوري قمعي وآخر متشدد، في حين ان هم المسيحيين المشرقيين هو الوصول الى مرحلة المواطنة والعيش في سلام مع كل ما يقتضيه الامر من شروط. لكن الاهم بالنسبة الى كل ما سبق، هو التركيز على رفض فكرة الاقلية كحالة ذهنية تؤدي الى الهلاك ويركز الصايغ على ضرورة الا يشعر مسيحيو لبنان برهاب الاقلية لأي سبب لأن كل مكونات المجتمع التعددي في لبنان تعترف بأهمية الوجود المسيحي في لبنان وبأن خسارة العنصر المسيحي ستؤدي الى سقوط جوهر لبنان. والرأي ايضاً انه "لا يجب الحكم على الوجود المسيحي في لبنان من خلال الوضع السياسي القائم والانقسامات الدامية التي تعود الى 20 عاماً بل من زاوية انعدام الرؤية للحاضر والمستقبل، والفاتيكان يدرك هذا الشيء تماماً". ويستطرد ان المراجعة الهادئة للدور المسيحي في لبنان ستكون موضوع نقاش مع البابا الذي سيبلغ رؤساء الكنائس بأهمية دور الكنيسة المحلية على الصعد الاجتماعية والتربوية والشبابية والاقتصادية وان لا مفر امام الكنيسة من النهوض بمهماتها ومسؤولياتها.
ويختم الصايغ مقاربته لزيارة البابا بالاعراب عن تفاؤله بالحدث الكبير، ويشير الى ان الزيارة تأكيد من اعلى مرجع روحي مسيحي في العالم لاهمية التركيبة اللبنانية كصيغة للمستقبل، والاهم لشد أزر المسيحيين وطمأنتهم الى ان لا شيء مخيفا في حركة التحولات العربية، وأن مصير اقباط مصر ليس مخيفا كما يروج البعض للامر. والاخطر برأيه يكمن في النظام السوري البعثي الذي لم يترك بدائل وراءه، وهو اخاف المسيحيين والاقليات خدمة لاهدافه.

pierre.atallah@annahar.com.lb

 

عن النهار


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé