مقالات مختارة

تونسيون اعتنقوا المسيحية: لماذا !؟   07/09/2012

مساء يوم 14 جانفي تابعت حلقة برنامج "عسلامة" الذي تبثه فضائية مختصة في التبشير والدعوة لاعتناق المسيحية.
موضوع الحلقة كان "تاريخ الكنيسة"، أما الرسالة الأساسية التي حاول المنشط وضيفاه (وهم تونسيون) إبلاغها هي أن "المسيحيين التونسيين ليسوا صنيعة الاستعمار أو الحركات التبشيرية، إنما لهم جذورهم التي تعود إلى مئات السنين...".
واجتهدوا في تقديم ما يثبت كلامهم، من ذلك الآثار التي تشير إلى انتشار "المعموديات" والكنائس في عديد المناطق في البلاد... و"الوشم" الذي يشير إلى الصليب وتضعه العجائز... الخ.
ويبدو أن الهدف من هذه الحلقة كان مزدوجا، فمن ناحية هو رد على الأصوات التي تحذر منذ مدة من انتشار حركة التبشير والتنصير في تونس وشمال إفريقيا عموما، ومن وجود هيئات وجمعيات غربية وأمريكية وراء هذه الحركة النشيطة، وهو من ناحية أخرى دعوة للمسيحيين التونسيين خاصة الشباب ممن اعتنقوا المسيحية مؤخرا للتمسك "بدينهم الجديد" وأن لهم "جذورهم وتقاليدهم في هذه البلاد... وبالتالي ليسوا مسقطين أو تم زرعهم..."، كما جاء على لسان منشط برنامج "عسلامة".
إن هذه الحلقة من برنامج "عسلامة"، إلى جانب عدة وثائق ودراسات وشهادات أخرى تجعلنا نقول بوضوح: إن التبشير في تونس نشيط وتمكن من تحقيق خطوات، لم يعد من الممكن تجاهلها أو نفيها، وإن الموقف السليم هو التعاطي مع هذه المسألة والبحث في الأسباب والدوافع التي تجعل تلامذة وطلبة وشبانا، بعضهم لم يبلغ العشرين من عمره يستجيب لدعوات هؤلاء "المبشرين الجدد" وبعضهم يقبل أن يقاطع أهله وأصدقاءه من "أجل يسوع الذي خلصه وكشف أمامه طريق الحق".
حرية المعتقد في تونس مضمونة ويكفلها دستور البلاد ولم يحدث أن اشتكى أي كان من اضطهاد على أساس معتقده أو دينه أو عرقه.
هذه حقيقة يتفق حولها الجميع، لكن ذلك لا يمنع من وجهة نظرنا أن نتابع وأن نهتم بكافة الظواهر التي أصبحت تجد مكانا لها بين الشباب. وقد سبق لصحيفة "الوطن" أن تعرضت إلى بعضها من ذلك: مظاهر الميوعة والانحلال الأخلاقي (العدد 5) وعبدة الشيطان في تونس(العددين 6 و7) والسلفية الجهادية (العدد 20) والعنف في الملاعب الرياضية (العدد 21).
من هذه الزاوية والخلفية، سنتعرض في هذا العدد إلى مسألة التبشير في تونس وأسباب إقبال فئات من الشباب على اعتناق المسيحية.

التبشير في تونس حقيقة ملموسة

يمنع القانون التونسي التبشير ويحظر أعماله ويعتبر أن الدعوة لاعتناق المسيحية عمل يخالف النظام العام. لذلك تمّ في مناسبات عديدة ترحيل أجانب حاولوا القيام بأعمال تبشيرية وتمت مصادرة الوثائق والمواد التبشيرية من كتب وأشرطة وأقراص ممغنطة... الخ.
لكن ذلك لم يمنع هذه الحركة من التواصل والاستمرار تحت يافطات مختلفة مستغلة وسائل الاتصال الحديثة من انترنيت وفضائيات. والأهم من ذلك اعتمادها على تونسيين للقيام بالدعوة "لبشارة يسوع".
لم يعد المبشرون "الآباء البيض" كما كان يطلق عليهم سابقا.. لقد أصبح جزء هام منهم تونسيين ولدوا على هذه الأرض وتربّوا بيننا.
حدثني سائق سيارة أجرة "تاكسي" تجاذبت معه الحديث حول هذا الموضوع قال: "... ركب شابان في نهاية العقد الثاني سيارتي.. وفي الطريق حدثاني عن المسيح ومعجزاته وأبواب النعمة التي يفتحها أمام أتباعه.. وقبل أن ينزلا تركا لي الإنجيل وكتابين آخرين وقرصا ممغنطا يتضمن حياة المسيح بعدة لهجات عربية، من ضمنها اللهجة التونسية...".
وتوجد في المدونات ومنابر الحوار على شبكة الانترنيت شهادات لعدد من الشبان التونسيين يتحدثون عن اعتناقهم المسيحية ويقولون "إنهم تعرفوا على يسوع من خلال أصدقائهم أو أقاربهم وأن هؤلاء هم من قادوهم إلى الكنيسة..."
وحدثني شاب اعتنق المسيحية منذ ثلاث سنوات قائلا: "... إن نشر رسالة المسيح ومبادئه التي اقتنعت بها هي جزء من رسالتي كمؤمن... فإلى جانب أني أصلي للآخرين من أجل أن يتعرفوا على يسوع، فإني أقدم لهم ما يمكنهم من الاقتراب من المسيح، ولا أسمّي ذلك تبشيرا، إنه واجبي تجاه ما اقتنعت به..."
ومكنني هذا الشاب من كراس صغير الحجم يتضمن أمثلة للمسيح باللهجة التونسية الدارجة. وقال لي: اقرأها لتعرف لماذا اخترت المسيحية.
ويتحدث بعض المسيحيين التونسيين عن قصة شاب تونسي من جهة "المحمدية" (إحدى ضواحي العاصمة) تنصّر والتحق بالكنيسة الكاثوليكية قبل سنوات. هذا الشاب، تمكن من تنصير "عدد هام من الشبان". مما بوّأه مكانة خاصة في الكنيسة الكاثوليكية بتونس، وتمكن من السفر إلى إيطاليا وتم استقباله في الفاتيكان من طرف أعضاء مرموقين.
وهناك عدة قصص وروايات أخرى تشير بوضوح إلى أن من يقوم بالتبشير اليوم في تونس هم تونسيون، منهم من تنصر في أوروبا وعاد إلى تونس "لينشر رسالة يسوع".
ونعتقد أنه ليس صدفة أن يتم الاعتماد على تونسيين (من أبناء البلد) للقيام بالتبشير والدعوة للمسيحية حتى وإن كانوا في بداية طريقهم، ذلك أن المسألة مدروسة ولها خلفياتها.
في سنة 1978 احتضنت أمريكا الشمالية مؤتمرا يعرف بـ"مؤتمر كلورادو". هذا المؤتمر حضره نحو 150 من قادة الرأي والفكر، من بينهم نخبة من المنصّرين العاملين في الميدان وأكاديميين ومستشرقين لاهوتيين وأساتذة في علوم الأجناس وعلوم الاجتماع وعلم النفس والدراسات اللغوية ومن خبراء ومستشارين سياسيين وأمنيين وديبلوماسيين.
المؤتمر وُصِفَ بأنه "من المؤتمرات القادرة على تغيير مجرى التاريخ". وركز على ما يلي:

- أولا:أن يجد الإنجيل طريقه إلى 720 مليون مسلم.
- ثانيا: أن يتخلى المنصّرون عن أساليبهم البالية ووسائلهم الفاشلة.
- ثالثا: أن تخرج الكنائس القومية عن عزلتها وتقتحم بعزم ثقافات المسلمين.
- رابعا: أن يجد المسعى لتحريك المواطنين النّصارى في البلدان المعنية ليعملوا مع الإرساليات.

وما يحدث اليوم في تونس (وفي المغرب العربي عموما) هو ثمرة حقيقية لهذه النقاط الأربع وخاصة النقطة الرابعة.
وإلى جانب ما يقوم به التونسيون "للتبشير بيسوع".. ودفع أصدقائهم وأقاربهم لاعتناق المسيحية، فإن ما تقوم به الفضائيات وعشرات المواقع على شبكة الانترنيت وبعض الأجانب له دور في أن تكون حركة التبشير في تونس نشيطة وتستقطب الشبان والشابات.

وفي خصوص الفضائيات سنكتفي بعرض شهادات لعدد من التونسيين تشير إلى أنهم تنصروا تحت تأثير ما يبث في هذه الفضائيات، وهذه الشهادات موجودة على الموقع الإلكتروني لقناة "الحياة" التبشيرية.
يقول "طارق – تونس": "..أنا مسلم مداوم على متابعة هذا البرنامج (كشف القناع بقناة الحياة) الذي أثار العديد من الأسئلة في ذهني بخصوص إيماني المتوارث عن أمور سلمت بها من دون تفكير (...) للحقيقة أقول إن كمية التسامح التي ألمسها في المسيحية لم ألمسها في ديانة أخرى...".
ويقول "نبيل – تونس" : "حياتي تغيرت بعد مشاهدتي لبعض القنوات التنويرية التي تحكي الصفات الطيبة التي يتميز بها سيدنا المسيح (...) هناك قوة خفية في عقلي وقلبي تدعوني إلى الإيمان بالمسيح تولدت بعد مشاهدتي لبرامجكم.."
ويقول "رجل من تونس": "هذا البرنامج (الحياة في كلمة) هو السبب لتحولي لقبول الإيمان المسيحي.."
وفي خصوص شبكة الانترنيت توجد مئات المواقع الالكترونية المختصة في التبشير، توفر لمتصفحيها كل الإجابات عن الأسئلة التي يطرحونها حول المسيح والمسيحية إلى جانب كتب ووثائق وأشرطة فيديو.. ومن ضمن الكتب التي اطلعنا عليها.. كتب تمس عقيدة المسلمين ومقدساتهم والشخصيات الدينية المقدسة وتشكك في الأحاديث النبوية.. بل ويصل الأمر إلى حد التشكيك في ما نزل به القرآن.
وتتضمن أيضا وثائق باللهجة التونسية ومن ضمن الوثائق التي اطلعنا عليها "ترانيم تونسية" وقصص مسيحية باللهجة التونسية ومعطيات تاريخية حول الكنيسة في شمال إفريقيا... الخ.
كما تتضمن أشرطة فيديو لتونسيين تنصروا واعتنقوا المسيحية يتحدثون عن تجربتهم وماذا قدم لهم "يسوع من نعمة وشفاء...".
وهناك منابر حوار ودردشة يقبل عليها شبان تونسيون ويشاركون فيها.

يقول الدكتور أبو خولة في مقال له تحت عنوان "مسيحيو المغرب في حكم الإسلاميين" نشر يوم 10 أفريل 2007 على موقع إيلاف الالكتروني: "يقدر الناشط المسيحي المغربي (يوسف) أن الاتصالات الشخصية مسؤولة عن تنصير حوالي 60% من المجموع، بينما لا يتجاوز دور الانترنيت 30% والـ10% المتبقية اعتنقت المسيحية على يد المبشرين الأجانب.."
وتتعلق هذه الإحصائيات بالمغرب الأقصى ونعتقد أنها قريبة من الوضع في تونس، خاصة إذا علمنا أن هناك خطة موحدة للتبشير في المغرب العربي، تقول بعض التقارير غير الدقيقة إن حجم الإنفاق الذي تتحمله المنظمات التبشيرية في المنطقة يجاوز 300 مليون دولار سنويا.

أما في خصوص دور الأجانب في حركة التبشير في تونس، رغم أنه لا توجد معطيات دقيقة حول دورهم لأنهم يعرفون جيدا أن التبشير في تونس ممنوع وأنه يمكن أن يكونوا عرضة للترحيل.. رغم ذلك هناك عدة مؤشرات ودلائل تؤكد أن بعض الأجانب بصدد القيام بدور ما في هذه الحركة:
- يتحدث عدد من متساكني مدينتي دوز وقبلي عن رجل إيطالي أنشأ مؤسسة لتعليم اللغة الإيطالية.. هذا الرجل نشيط في حركة التبشير.

- شهادات عديدة بلغتنا عما يقوم به بعض موظفي أحد البنوك في العاصمة من تبشير ودعوة للمسيح. هذه الشهادات وصلتنا من عدد من أصحاب سيارات التاكسي ومن مواطنين جمعتهم الصدفة به هؤلاء (توزيع كتاب الإنجيل وتوزيع أقراص ممغنطة...الخ).
- تقول "نيللي الكلاب" وهي مبشرة تعمل ضمن "راهبات الفرنسيسكات" وهذه الجمعية لها مقر في تونس عنوانه موجود على شبكة الانترنيت تقول في رسالة لها نشرت على موقع هذه الجمعية: "لقد ذهبت إلى تونس وتحديدا إلى عين دراهم (قرية في تونس) بذهنية تبشير الناس لردّهم إلى المسيحية (!!!)، أثناء زيارتي الأولى طرح عليّ رجل السؤال التالي: "... ما الفرق بين القرآن والإنجيل؟" .. ولأنه كان ممنوعا عليّ التكلم عن الدين والإنجيل وسط عالم إسلامي صرف. فوجئت بالسؤال ولكنني حاولت الإجابة ولاحظت أنهم عطشى ليتعرفوا علينا...".
وتضيف: "... الناس في تونس مختلفون عن اللبنانيين. لا يربطون بين الأمور الدينية والسياسية، اكتشفت أنه يكفي أن نعيش المحبة المسيحية مع الناس، لكي نعلن الإنجيل ونوصله إلى الآخرين بطريقة أخرى...".
وتضمنت هذه الرسالة صورة لهذه المبشرة وهي تتوسط عائلة تونسية من منطقة عين دراهم.
من خلال ما تقدم يبدو واضحا أن حركة التبشير في تونس مسألة لم يعد من الممكن تجاهلها أو نفيها.. هي حقيقة ملموسة وتتطلب الوقوف عندها.

لا يعني هذا أننا بصدد تضخيم هذه المسألة أو إعطائها أبعادا أكثر مما تستحق.. لكن في الوقت ذاته نعتقد أن المسألة تتطلب اهتماما ومتابعة لأن إغماض الأعين عنها وترديد كلام من قبيل "التبشير غير موجود في تونس" هو كلام يجانب الحقيقة.

عدد المسيحيين التونسيين

رسميا لا تتوفر أرقام محددة حول عدد التونسيين الذين اعتنقوا المسيحية، فلا الكنائس الثلاث المقيمة في تونس قدمت أرقاما حول هذه النقطة ولا الجهات الرسمية قدمت ذلك.
غير أن ذلك لا يعني عدم وجود بعض الأرقام من مصادر مختلفة.

· قال مطران تونس (مروان لحام) في تصريح لوكالة الأنباء الإيطالية يوم 18 ديسمبر 2007 إن عدد الكاثوليك في تونس يتراوح بين 20 و22 ألف نسمة موزعين على نحو 60 جنسية. لكنه لم يذكر عدد التونسيين منهم، إلى جانب أن هذا الرقم يهم الكاثوليك فقط.
· في تقرير الحريات الدينية لوزارة الخارجية الأمريكية 2003 جاء ما يلي "... أما الطائفة المسيحية اسميا والتي تتكون من سكان أجانب ومجموعة صغيرة من المواطنين المولودين في البلاد من أصل أوروبي و/أو عربي، فيبلغ عددها نحو 20 ألف شخص موزعين في كل أرجاء البلاد. ويقول زعماء الكنيسة إن عدد السكان المسيحيين الذين يمارسون شعائر الدين يبلغ نحو ألف شخص ويضم حوالي مائتين من المواطنين من أصل عرقي عربي من مواليد البلد الذين تحولوا عن دينهم واعتنقوا المسيحية".
· قبل أكثر من سنة نشرت مجلة "إفريقيا الفتاة" ملفا حول المسيحية في المغرب العربي ومن ضمن الأرقام التي وردت في هذا الملف أن عدد التونسيين الذين اعتنقوا المسيحية خلال السنوات الأخيرة بلغ نحو 500 تونسي.

· جاء في وثيقة تحمل اسم "الملاحظات الختامية للجنة القضاء على التمييز العنصري على التقارير الدورية التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر لتونس"، وفي النقطة 167 ما يلي:

".. وفي رده على أسئلة وتعليقات أعضاء اللجنة، قال ممثل الدولة إن هناك 5 آلاف تونسي من غير المسلمين بينهم حوالي 3 آلاف من اليهود والباقي من المسيحيين..."

يذكر أن اجتماع "لجنة القضاء على التمييز التمييز العنصري" (تابعة للأمم المتحدة) عقد للنظر في التقارير حول تونس خلال شهر مارس 1994.
· قال لي تونسي اعتنق المسيحية قبل أكثر من عشر سنوات (الكنيسة الإنجيلية) إن عدد المسيحيين التونسيين يبلغ نحو 14 ألفا موجودين في كافة مناطق البلاد (الشمال والجنوب والشرق والغرب). وأكد أن هذا الرقم صحيح، وغير مبالغ فيه.

وأضاف أن أغلب معتنقي المسيحية في تونس يتجهون إلى الكنيسة الإنجيلية وأن نسبة هامة منهم لا يستطيعون الكشف عن "دينهم الجديد" ويفضلون أن يبقى الأمر سرا.
وبقطع النظر عن صدقية هذا الرقم فإن الاكيد هو أن عددا من معتنقي المسيحية يرفضون فعلا الإعلان عن تنصرهم بسبب تأثير ذلك على علاقاتهم سواء العائلية أو في المجتمع.
· في محاضرة تحت عنوان "عرض لكنيسة تونس: إلى إخوتنا أساقفة الشرق الأوسط" لمطران تونس الأسبق فؤاد طوال جاء ما يلي: "وخلال عدة سنوات، وبسبب تسارع الأحداث السياسية المتتالية، انحسر عدد المسيحيين وهبط من عدة مئات من الألوف إلى عدد ينحصر بين 20 و40 ألفا، وعدد الكهنة الذي كان يبلغ 150 سنة 1964، انحدر إلى حوالي الثلاثين سنة 1999. وكانت تلك الفترة صعبة بالنسبة إلى الذين رأوا رعاياهم تزول وأصدقاءهم يرحلون".
· كتب الدكتور عز الدين عناية (جامعي تونسي مقيم في إيطاليا)، مقالا تحت عنوان "قراءة في التقرير الإحصائي للكنيسة الكاثوليكية" نشر في صحيفة "القدس العربي" اللندنية يوم 12 أكتوبر 2007، جاء فيه على وجه الخصوص: "أما من حيث أنشطة الكنيسة الكاثوليكية في العالم العربي فهي متنوعة، فقد ارتفعت أعداد المعمّدين (المتنصرين - التحرير) في شتى البلدان مقارنة بما ورد في إحصاء 2001، باستثناء تونس والمغرب وقطر التي شهدت تراجعا ضئيلا..."
من خلال ما تقدم يظهر جليا أن هناك عدم وضوح فيما يتعلق بعدد التونسيين الذين اعتنقوا الديانة المسيحية. وهذه المسألة لا تهم تونس فقط، بل عموم منطقة المغرب العربي، حتى إن أحد الصحفيين الجزائريين علق قائلا: "إن العدد الحقيقي لمعتنقي المسيحية في الجزائر هو سر من أسرار الدولة"!

ونعتقد أن إخفاء الرقم الصحيح أو التقليل من عدد المتنصّرين (مهما كانت الأسباب والدوافع) أو التضخيم فيه، كلها عوامل لا يمكن أن تخفي مشكلة أن التنصير في تونس وتوجه عدد من الشبان إلى المسيحية هي مسألة واقعية وحقيقية وأن التعامل معها لا بد أن يكون بشفافية ووضوح لأنها مسألة تهم الجميع.

ملاحظة:

جاء في تقرير الحريات الدينية الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية: "تدير الكنيسة الكاثوليكية 7 كنائس، و6 مدارس خاصة و6 مراكز ثقافية/مكتبات في كل أنحاء البلاد. بالإضافة إلى مستشفى في تونس العاصمة. (...) وبالإضافة إلى إقامة الشعائر الدينية تنظم الكنيسة الكاثوليكية وبحرّية نشاطات ثقافية وتقوم بأعمال خيرية في كل أرجاء البلاد.
تضم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية نحو 100 عضو ممن يمارسون شعائر دينهم، وتشغل كنيسة واحدة في تونس وأخرى في بنزرت.
كذلك تشغل الكنيسة الإصلاحية الفرنسية كنيسة واحدة في تونس، تضم رعيتها نحو 140 فردا معظمهم من الأجانب.
بينما تملك الكنيسة الأنجليكانية كنيسة في تونس تضم نحو 70 عضوا أجنبيا.
وللكنيسة الأرثوذكسية اليونانية 30 عضوا، ثلاث كنائس (تونس – سوسة - جربة) وهناك أيضا نحو 50 عضوا في شهود يهوه: حوالي نصفهم من المقيمين الأجانب ونصفهم من المواطنين المولودين في البلاد..." (تقرير 2003)

لماذا اعتنقوا المسيحية؟

قرأت في بعض المواقع على شبكة الانترنيت مقالات تصف الذين اعتنقوا المسيحية "بالمرتدين" إلى جانب أوصاف أخرى مثل الانبتات والتفسخ...الخ.
وأعتقد في الحقيقة أنه قبل أن يتم اتهام هؤلاء الشبان لا بد من طرح السؤال التالي: لماذا اعتنقوا المسيحية؟ ما هي الدوافع والأسباب التي جعلتهم يختارون هذا الطريق؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة من شأنها أن تفسر لنا ماذا يحدث... وتدفع الجميع إلى التفكير في السبل والوسائل للحد من هذا التوجه.
من خلال ما كتب ونشر هناك حديث عن سببين اثنين: الأول مادي (بعض الشباب يرغب ف بالمساعدات المادية التي يمنحها المبشرون) والثاني معنوي يتعلق بالفراغ الثقافي والروحي الذي يعيشه الشباب.
فيما يتعلق بالسبب الأول ورغم أن بعض الدراسات والمقالات الصحفية في الجزائر والمغرب كشفت عن الإغراءات المادية التي يقدمها المبشرون (في الجزائر ذكرت إحدى الصحف أن كل متنصر يُمنح 5 آلاف أورو).. فإنه في تونس لا توجد دلائل ملموسة حول هذه المسألة وما يقال هو كلام وحديث لا بد من التعامل معه باحتراز.
ومن ضمن ما يقال أن بعض الشبان اعتنقوا المسيحية للحصول على عقود عمل في إيطاليا وفرنسا... وأن هناك من تنصر للحصول على مساعدة مالية مكنته من بعث مشروع صغير.
وقال لي المسيحي التونسي الذي تنصر منذ أكثر من عشر سنوات: "الكنيسة الإنجيلية التي أنتمي إليها لا تقدم المساعدات المادية بغاية التنصير... لأننا نستهدف الروح ونعمل من أجل أن يدخل الروح القدسي هؤلاء الشباب الذين عصفت بهم الخطايا... وكل من التحقوا بالكنيسة الإنجيلية فعلوا ذلك لأننا صلينا من أجلهم ولأن يسوع يحب أبناءه...".
أما في ما يتعلق بالسبب الثاني أي الفراغ الثقافي والروحي لدى الشباب، فإنه المسألة الأخطر، لأن من تنصر من أجل تحقيق أهداف مادية يمكن أن يتراجع (وقد حصل ذلك). أما من كان يعيش فراغا ثقافيا ومعنويا جاء من يملأ له هذا الفراغ فتلك هي المشكلة.

لنطلع على شهادات (مكتوبة) لعدد من الشبان ممن اعتنقوا المسيحية:

· (آمال - تونس): "لا أستطيع أن أجاهر بإيماني لأن أهلي يهددون بقتلي إن آمنت بالمسيح.. أنا أتابعكم على شبكة الانترنيت وأرجو أن تساعدوني ببعض الكتب الروحية لتقوية إيماني..."
· (نزار - تونس): "... لا يوجد من يرشدني ويعلمني وأرجو أن أجد في برنامجكم هذا منفذا ومخرجا يعينني..."
· (كمال - تونس): "آمنت بالرب يسوع وأحببته وهو قد خلصني من الأتعاب ومن الشرور ومن الإرهاق المتواصل والتشاؤم... وذلك عن طريق الصلاة...".
· (جمال - تونس): "هذا البرنامج يعطي شحنة روحية ومعنوية للإنسان لما يبسطه من المعاني الأخلاقية حتى يسهل على الفرد الالتزام بها.. أنا أنهل من معين خطابكم الأساسي وهو الكتاب المقدس.. فسبحت في عالمه الخاص وجوّه المفعم بالروحانية...".
وهناك عشرات الشهادات الأخرى يمكن الاطلاع عليها على موقع قناة "الحياة"
ويشير أغلبها أن هؤلاء وجدوا من يلمس النقطة الحساسة لديهم وهي حالة الفراغ والأسئلة التي تدور بذهنهم فانجذبوا إليه. كما انجذب عدد آخر من الشبان نحو القراءات المتطرفة للدين الإسلامي وكما انجذب آخرون نحو عبدة الشيطان وغيرهم.

ويبدو أن هذه الحالة ليست غائبة عن رموز التبشير والأساقفة وغيرهم.
· يقول المطران فؤاد طوال في محاضرته "عرض لكنيسة تونس" : "من حظنا أننا نعيش في هذه البلاد، أنها تدفعنا ولا يكون ذلك مريحا كل يوم لكنها تقول لنا أيضا إذا فتحنا أعيننا كيف يشتغل فيها الروح كما فعل فينا أيضا..."
· وتقول "نيللي الكلاب" من راهبات الفرنسيسكانيات: "أقول نظرة محبة، ابتسامة من القلب وإصغاء للآخر.. هذا ما ينتظره الناس منا وهذه هي الرسالة. وما لاحظته ولفتني أن الناس في تونس لا تميز بين المكرسين والعلمانيين والمسيحيين، بالنسبة إليهم كل المسيحيين هم إخوة وأخوات..." (رسالة تونس: الموقع الالكتروني لراهبات الفرنسيسكانيات).
· وكتب عماد خليفة توماس مقالا تحت عنوان "الطريق إلى تونس" جاء فيه: ".. التقينا بالقس إيميل وهو من أصل لبناني ومتزوج من تونسية ومسؤول عن خدمة العربية في تونس وسألناه عن وضع المؤمنين المسيحيين في تونس والعقبات التي تواجههم، قال: إن هناك حالة من الطفولة الروحية يعيشها المؤمنون الجدد بس عدم وضوح العلاقة مع الله.
وقال إن هناك اختبارا حقيقيا وخميرة واضحة من خلال عمل الله.
وإلى جانب هذه الشهادات، إذا اطلعنا على بعض الأرقام الرسمية حول الاهتمامات الثقافية والدينية للشباب التونسي سنجد أن هناك فعلا مشكلة حقيقية هي التي فتحت الأبواب لتوجيه فئات من الشباب نحو أفكار ومعتقدات أخرى.
· جاء في وثيقة "الممارسات الثقافية والترفيهية" الصادرة إثر الندوة الوطنية حول الممارسات الثقافية والترفيهية لدى الشباب التي انتظمت يومي 16 و17 مارس 2004 بمدينة العلوم أن 0.50% من الشباب يمضون أوقاتهم الحرة في الجمعيات والمنظمات. و1.78% في دور الشباب والثقافة و3.56% في المكتبات و1.27% في قاعات السينما و14.10% في المقهى و54.27% في البيت.
وهذا يطرح السؤال التالي: لماذا عجزت الجمعيات والمنظمات ودور الثقافة ودور الشباب والمكتبات وقاعات السينما عن استقطاب الشباب!؟؟.
وجاء في وثيقة صدرت سنة 2006 عن المرصد الوطني للشباب تضمنت النتائج الإحصائية لدراسة ميدانية قام بها مطلع صائفة 2004، جاء أن هناك عزوفا من الشباب التونسي عن الخطاب الديني الرسمي إذ أن 0.11% فقط يهتمون بالموضوعات الدينية التي تنشرها الصحف.
إن هذه الأرقام تشير إلى وجود مشكلة واقعية تتطلب التدخل لأن الشباب ممن كان غير محصن يمكن أن يكون عرضة لكافة التأثيرات مهما كانت خطورتها


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé