مقالات مختارة

ثلاثية البابا لتثبيت مسيحيي المشرق في أرضهم وبناء دولة المواطنة   12/09/2012

جورج ساسين - "الجمهورية"

مسيحيو المشرق ومسلموه على موعد مع الحبر الأعظم بابا روما لالتقاط رسائله واستشراف المستقبل لهذه المنطقة التي تغلي بالصراعات المزمنة والمتجددة والإضطرابات المستحدثة التي قد تحول وجهها على أقل تعديل أو تعيد تشكيلها الجغرافي ـ السياسي في أبعد تقدير. وبين هذا وذاك أسئلة وجودية تحاكي الواقع السياسي المتحرك ناهيك عن المصير والدور والرسالة.
فعندما سيحل البابا بينيدتكوس السادس عشر، بعد أيام في لبنان، سينظر أيضاً من أعالي جباله إلى المدى الواسع المحيط به شرقاً وجنوباً وشمالاً، ذلك أن الإرشاد الرسولي موجه كخريطة طريق،إذا صح التعبير، إلى كل هذه المنطقة بمعناها الواسع، حكومات وشعوباً مهما إختلفت تلاوينها في الهوية والانتماء. فهذه "الخريطة" مثابة عصارة تفكير وتأمل قام بها ، على درجات متفاوتة، أحبار الكنائس المشرقيين والعلمانيين من مختلف الطوائف والملل والنحل.
ولعل الدلالة الرمزية في إختيار بازيليك القديس بولس في حريصا مكاناً لتوقيع البابا على هذا الإرشاد، إشارة تضامن إلى طائفة الروم الكاثوليك في لبنان وسوريا بشكل خاص، بسبب عدد المؤمنين وكثافة وجودهم ومكانة الطائفة ودورها الاجتماعي الفاعل، وكذلك نظراً للنزاع المحتدم بين السلطات السورية الرسمية والمعارضة، والذي قد يهدد مصير الأقليات الدينية  المسيحية وغير المسيحية في هذا البلد، حيث كانت دمشق بعد أورشليم منطلقاً للدعوة الجديدة مع القديسين بطرس وبولس.
ولئن إختصر هذان القديسان تاريخ الكنيسة الأولى، إلا أن ما شهدته حاضرة الفاتيكان في السنوات والعقود الأخيرة كان ترجيعاً لصدى تلك الحقبة الغارقة في القدم. ومن الملاحظ في هذا السياق، أن إتجاهين برزا عشية الاعداد لسينودس الشرق الأوسط،  وبالتحديد قبل عامين ويومين، الأول دعا إلى تفعيل إنخراط المسيحيين في أوطانهم على كل المستويات الدينية والمدنية لتعزيز مفهوم المواطنة في بلدانهم، وبناء مستقبل يقوم على قيم العدل والمغفرة والحوار والسلام. أما الثاني، فكان ذو منحى إنطوائي يُغلِّب أمراً من إثنين: هجرة المسيحيين المشرقيين من أوطانهم واستقرارهم في بلدان الانتشار، أو الاسترشاد بتجربة جمهورية يوغوسلافيا السابقة وإقامة دويلات طائفية كحل نهائي للمسألة الشرقية.
وإذا صدقت الأنباء التي تم تداولها قبل أيام، فيبدو أن البابا بينيدكتوس وكذلك الإتجاه الغالب في حاضرة الفاتيكان، قد إختارا مواصلة دعم تطلعات بطاركة مختلف الكنائس وأحبارها، لجهة تعزيز حضورهم والمساهمة في بناء دول تحترم حرية المعتقد والإيمان والضمير، والمساواة في الحقوق والواجبات، أي بعبارة أخرى بناء دولة المواطنة بعيداً عن الانغلاق والغلو والتطرف. وربما جاءت "الإرهاصات الغالبة في الربيع العربي" لتزيد من تجذر هذا الإتجاه بدل ركوب المغامرة التي لن ينفع الندم بعدها. مع العلم بأن بعض الدوائر السياسية النافذة في الغرب عملت جاهدة، منذ عام ونيف، على الدفع في إتجاه قد يؤدي ربما في نهاية المطاف إلى عكس ما هو مرفوع اليوم من شعارات.
ولا يستوي هذا الإتجاه الفاتيكاني إلا حين يقوم على "الثلاثية" التالية التي يرفع لواءها بينيديكتوس السادس عشر، وهي: عدالة وسلام وحوار، استمراراً لتراث الكنيسة، وتيمناً بما قاله البابا يوحنا بولس الثاني: "لا سلام بدون عدالة، ولا عدالة بدون صفح".
وفي هذا السياق، يشير الارشاد الرسولي العتيد إلى "وجود صراعات عدة في الشرق الأوسط ، نابعة من المصدر الرئيسي، وهو الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. وتقع على المسيحي مسؤولية خاصة للمشاركة في مجال العدالة والسلام. فمن واجبنا أن ندين بشجاعة العنف أياً كان مصدره، وأن نقترح الحلّ، الذى لا يمكن أن يأتى إلا من الحوار. علاوة على ذلك، ونحن نطالب بالعدالة للمظلومين، يجب أن نقدم رسالة المصالحة المبنيّة على المغفرة المتبادلة".
هذه الخلاصة الايمانية ـ السياسية تكتسب مغزاها الكبير حين تجد كيفية وصف أحبار الكنيسة لأوضاع أوطانهم المختلفة بعجالة، مع أن معدي الارشاد الرسولي تحاشوا ذكر "الربيع العربي" صراحة، بل ركزوا على بعض سلبيات صعود التطرف الديني في كنف الاسلام السياسي.
ولئن نأى هؤلاء بنفسهم عن تنقيح المسودة الأخيرة، إلا أنهم لم يشيروا إلى الأزمة في سوريا إلا تلميحاً. في المقابل، جاء بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للموارنة مار بشارة بطرس الراعي ليكشف،  لصحيفة "لوجورنال دوديمانش" الفرنسية الصادرة أمس، "مخاوف مسيحيي سوريا من المستقبل"، مؤكداً "بأنهم على حق في قلقهم لأن لهم أسبابهم. فعلى الأرض هناك الأصوليون ـ الأخوان المسلمون والسلفيون ـ المدعومون بالمال والسلاح من قبل مختلف البلدان. وهذه البلدان تحركهم للوصول إلى السلطة".
وفي رد على سؤال حول قرب المسيحيين من الرئيس بشار الأسد اكثر منه إلى المعارضة، قال الراعي: " على العموم يحترم مسيحيو العالم العربي السلطة المحلية ولو كانت ديكتاتورية. وإحترام السلطة المحلية  لا يعني دعم الأنظمة القائمة. هذا تمييز مهم... مسيحيو سوريا ليسوا مع النظام حيث يعرفون أنه ديكتاتوري. نحن نحترم رغبة الشعوب، والشعوب تريد إصلاحات دستورية واقتصادية واجتماعية. نحن نؤيد أيضاً الديموقراطية وإحترام حقوق الإنسان والمساواة. إذاً لا أرغب في إدانة المعارضة في سوريا. لكن ببساطة نحن ضد الحرب. ولا يمكن التوصل إلى إصلاحات والى ربيع عربي عبر اللجوء إلى العنف". 
ولعل ما قاله البطريرك الراعي عشية وصول البابا إلى لبنان يعكس هذا الاتجاه السائد في حاضرة الفاتيكان. فهذه الأخيرة تشاهد بأم العين يومياً ما يجري من تحولات في المنطقة قد تغير وجه العديد من البلدان. كما تلمس التناقص المتزايد لعدد المسيحيين الفلسطينيين في القدس وبيت لحم والناصرة وغيرها حيث تتحول مراكز الصلاة والعبادة رويداً رويداً إلى متاحف ، ولا تريد بالتالي أن يتكرر سيناريو العراق في سوريا وتتحول "طريق دمشق" و"بيت حنانيا" بدورهما إلى متحف للحجاج الأجانب فقط. ولهذا يتمسك بـ "ثلاثية العدالة والسلام والحوار" التي تصلِّب عود المسيحيين المشرقيين في أوطانهم.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé