مقالات مختارة

شهداء عيد الصليب، هل نسيناهم؟   12/09/2012

في ليلة عيد الصليب من عام 1991 وبعد حرب الكويت المشؤومة التي خاضها سيد الطغاة في العصر الحديث،حدثت موجة هجرة هائلة من العراق هرباً من الأوضاع المزرية التي حلت على ابناء الشعب العراقي جراء حماقات سيد الطغاة هذا.  وفي خضم تلك الهجرة الجماعية حاولت فيئة من ابناء أمة "السوراي" العبور عبر مضيق بحر ايجة من تركيا اى اليونان موطئ الديمقراطية  ليمكثوا هنالك في مرحلة الأنتظار نحو الفرصة السانحة لمحبي الحياة كي يعيشوا في حرية وأمان في بعض بلاد العباد من بلدان اوربا وفي امريكا وكندا واستراليا. لكن القدر كان لهم بالمرصاد في تلك الليلة التي يحتفل بها كعيد الصليب ،  فقد غرق المَركب البدائي الذي صعد اليه --في ليله حالكة السواد—ما يزيد عن ثلاثين مهاجرا يمثلون ثلاث عوائل بكاملها وآخرين من الشباب. معظم الضحايا كانوا من ابناء منكَيش، القوش وأشيثا، وقد نجى واحداٌ من الشباب فقط وهو الذي كان شاهد عيان لهذه المأساة.
حَشر فاقدوا الضميرالأنساني من مستغلي مآسي الآخرين في ذلك المَركب  أضعاف الأضعاف من طاقه ذلك " البلم "  المتعفن والمثقوب كما تيقن للمحققين بعد ذلك. هولاء الذين لم يسبق لهم ان راؤا بحراً من قبل، أسلمهم رجال العصبات التركية " القجخجيّة " الى لُباب تلك الأمواج العاتية قائلين لهم: الأبحار سهل جداً وفي غضون دقائق سوف تصلون بأمان الى الشاطئء اليوناني.
رنت موسيقى  الشاطئ اليوناني وما يمثله من رمزالحرية والدولة المسيحية في اذان هولاء الذين ذاقوا المرّ والعذابات من سياسة الدكتاتور المغرور فتسابقوا في الصعود الى " مركب الموت " مصدقين الحثالى الذين همهم الأول صفقة مالية مربحة. لقد اتم هولاء الأوغاد الأتراك صفقتهم المربحة وعلى حساب سلامة هولاء المساكين العطشانين الى الحرية والسلام .أستلم المجرمون ربح صفقتهم مسبقاً وأرسلوا هؤلاء المساكين من غير ربان-- يقود المركب-- الى الغرق في البحر الغدّار الذي لا يعرف الرحمة مثلما لا يعرفونها، انفسهم.

أكثر من عشرين عاماً مرت على هذه الجريمة النكراء وقلة هم من يتذكرونها كونها وصمة عار في وجه الذين كانوا سببها بدءاً بحاكم العراق الأوحد، او الذين اقترفوها، من مستغلّي الأزمات، وانتهاءاً بالسلطات التركية التي لم نسمع أبداٌ انها تعقبت اولئك المجرمين. لابل ان أمثال هولاء المجرمين لا زالوا يزاولون مهنة الغدر امام مسمع ومرأى السلطات التركية. وقبل أيام سمعنا عن غرق حدث في ظلمات بحر ايجه ايضاً لأكثر خمسين برئياً من سورياً والعراق الفارين من الحروب، وغالبيتهم كانت من الاكراد والمسيحيين. 
لكن، ونحن نلوم المُسببين وعصابات الغدر أوالسلطات التركية، يبقى السؤال المهم هو لماذا يهاجر المسيحيون من ابناء العراق وسوريا اوطانهم وهي ارض اجدادهم من قديم الزمان وبأقل الأحوال من زمن الأمبراطورية الآشورية التي لا زال تسميتها تُعَطرالتسميتين الحاليتين : سورايي وسوريا.
المسيحيون وعلى اختلاف مسمياتهم القومية والطائفية هم بلا شك السكان الأصليين لكل  من سوريا والعراق وهم ملح تلك الارض الطيبة التي فيها دجلة والفرات ،والتي سماها الأغريق قديماً  بلاد ما بين النهرين " ميسوبوتاميا ". ومن المؤسف جداً ان هولاء المسيحيين ، حتى اولئك الأكثر التزاما والتصاقاً بأرض اجدادهم، يغادرون الوطن الغالي الى حيث الحرية والأمان في بلدان الغرب. لقد هربوا سابقاً من الدكتاتورية التي حكمت بأسم القومية العربية وها هم الآن بعد ان أضحت تلك



الدكتاتوريات في طريقها الى الزوال نراهم -- السكان الأصليون-- يهربون من حكومات الرجعية الدينية وافعال الارهابيين السلفيين الذي يفتقد قاموسهم الى  كلمة المحبة  فهم يرون ان لا وجود للمسيحيين بين ظهرانيهم ،الى اذا أسّلموا أو دفعوا الجزية والتزموا بقوانين الشريعة الأسلامية.
العالم الغربي المتنور بنور الصليب يملك زمام الأمور في اروقة الأمم المتحدة ، وقبل ان يعالج  الغرب مسألة المهاجرين المسيحيين المتفاقمة بأستقبالهم على اراضيه -- وهو مشكورعلى  ذلك -- يكون الأفضل والمطلوب هو الأنتباه الى ما يجري في العراق وربما في سوريا لاحقا ، عبر الأنتخاب او الأرهاب ، من تحولات نحو التزَمّت الديني والسلفي. ان هذه التحولات هي بالضد من مصالح الأقلية المسيحية التي لا سند لها فتضطر الى هجرة اوطانها الأصلية وفي ذلك يتعرض ابناءها الى المخاطر ومنها الغرق في البحار كما  حصل لشهداء عيد الصليب. ان رعاية مصالح مسيحيي الشرق الاوسط يجب ان تكون مسالة دولية وتعالج أزمتها الأمم المتحدة واِلا فان هذه المنطقة سوف تفرغ من سكانها الأصليين ويصبح الشرق الأوسط اسلامياً ويا  ليته كان معتدلاً يقبل بالأقلية المسيحية بين ظهرانيه ، لكن تجربة العراق تؤكد بطلان مثل هذا التصور.

حادثة عيد الصليب التي مَثلها هو مَثل سميل وصوريا هي نموذج محاولة الشر للنيل من الحق وقد ينجحون في هذا العالم الفاني كما فعل أشرار الحادي عشر من ايلول، والتي تمر ذكراها ايضاً هذه الأيام، ولكن هيهات ان  ينجحوا في العالم الروحي  فمصيرهم الجهنم الأبدية لأنهم رفضوا المحبة التي اوصى بها المسيح والتي تألم على الصليب كي يعلمها لكل شعوب الأرض. فيا ويل لمن لم يتعلم منه ، وهو الأله القدوس الذي تأنس لأجل ان يعطينا درساً بليغاً في المحبة التي تضمن العدالة الأجتماعية وتحقق السلام  وهي دوماً السُلم الى ملكوت السماء.
الضحايا في حادثة بحر ايجة كانوا مسيحيين سئموا الحروب التي لأجلها فقد كل بيت باقل تقدير واحداً من ابنائه فداءاً لغرور نيرون العراق فقد ووقف هذا المغروربالضد من العالم كله وفي قلبه القاسي ان يجعل من العراقيين كلهم –عدا عائلته طبعاً—وقوداً لأرضاء كبريائه، فماذا لو احترق العراق كما احترقت روما من قبل! في قلبه لم تكن مخافة الله فكيف تراه يخاف تهديدات العالم كله. المسيحية لم تدخل قلب نيرون روما، لا بل انه اضطهد المؤمنين بها بوحشية ونيرون العراق ، ايضاً، لم يكن يخاف الله وقلبه خلّا من الرحمة التي وعظ  بها المسيح ، ففي الوقت الذي كان يبني قصوره الضخمة والفخمة في كل بقاع العراق كان شعبه يتضوع جوعاً ولا من أحد يستطيع الأعتراض. هكذا لم يبقى للعراقيين، وبالأخص المسيحيين منهم ،من سبيل الا الهروب من جحيم دكتاتوريته ، لأجل خلاصهم وخلاص أجيالهم اللاحقة. وللأسف بعد زوال الدكتاتورية لاحت في الأفق بوادرالتعصب الديني أكثر من ذي قبل، الحجاب المفروض عنوة صار يحجب بصيرة الحق، الطائفية والعشائرية والفساد غلبت الوطنية والوطنيين، الأرهاب تفاقم. ولذا استمر نزيف الهجرة الى ما لا يُحمد عقباه.

لأجل ان يبقى الصليب عالياً ومنيراً في العراق وسوريا وأحياءاً لذكرى شهداء عيد الصليب الذين غرقوا في بحر ايجه وكي لا تتكر هذه الحادثة وكي تكون عبرة، فاني ارفق رابط  الصوت ادناه لقصيدة تحكي  مأساة الغرق التي حدثت في بحر ايجه ليلة عيد الصليب من عام 1991.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé