مقالات مختارة

هواجس المسيحيين مقيمة بين زيارتين بابويتين.. برغم «الانقلاب»   14/09/2012

دنيز عطالله حداد

يحل البابا بنديكتوس السادس عشر ضيفا استثنائيا على لبنان، وخصوصا على مسيحييه.
في العام 1997، سبقه البابا يوحنا بولس الثاني في زيارة شبيهة في الشكل، مختلفة تماما في الظروف والتوقيت والدلالات.
في استعادة تلك المرحلة بعض من تسليط الضوء على واقع المسيحيين اليوم، وعلى الظروف التي تغيرت حد الانقلاب. لكن هل استفاد منها المسيحيون؟ هل جددوا في مقارباتهم للسياسة والسلطة والدور المفترض؟ هل خرجوا من «احباطهم» الى الانخراط الفعلي في «بناء الدولة المدنية الديموقراطية السيدة الحرة المستقلة»، التي لم يصدر عن كنيستهم ولا عن احزابهم، على اختلافها، بيان.. الا ووردت هذه العبارة فيه على امتداد اكثر من 15 عاما.
ماذا تغير في الواقع المسيحي بين الزيارتين البابويتين؟
في العام 1997 وقبل ان يزور البابا يوحنا بولس الثاني لبنان، وتحديدا في شباط من العام نفسه، اوفد الى سوريا مسؤول العلاقات الدولية يومها، المونسنيور جان لوي توران لوضع المسؤولين السوريين في اجواء الزيارة. قبلها، كانت الدوائر الفاتيكانية تحضر لزيارة البابا الى لبنان في العام 1994 لكن الزيارة لم تتم وتحتفظ هذه الدوائر والبطريرك نصرالله صفير بالرواية الكاملة للاسباب التي فرضت تأجيل الزيارة، والحكم في سوريا لم يكن بعيدا عنها.
في تلك المرحلة، كانت سوريا تمسك بقبضتها على البلد. وكان «المزاج المسيحي» وقيادات المعارضة المسيحية ضد الزيارة. حاولوا لدى الدوائر الفاتيكانية ان يؤجلوها او يحولوا دون حصولها، ولم ينجحوا. خافوا ان تأتي «تكريسا للوضع القائم» واعترافا به.
«الوضع القائم» يتلخص بالآتي: سمير جعجع في السجن وميشال عون وامين الجميّل في المنفى. الناشطون المسيحيون يتعرضون للملاحقة والتوقيف والتنكيل. و«لم تكن تسقط شعرة من رؤوس اللبنانيين الا باذن سوري» على ما يقول مرجع كنسي في معرض توصيفه لتلك المرحلة.
لم يبق في «الواجهة» و«المواجهة» سوى البطريرك نصرالله صفير ومعه مجلس المطارنة. لذا حمل صفير هواجس المسيحيين الى روما. وحين التقى يوحنا بولس الثاني في شهر شباط الذي سبق الزيارة، صارحه بهذه الهواجس مستفيضا في شرح «الوضع القائم».
صفير، على عكس المعارضة المسيحية، كان من المتحمسين للزيارة. وهو اعلن في محاضرة للكهنة سبقت الزيارة في بكركي، بحسب ما نقل عنه الزميل انطوان سعد في كتاب مذكراته، ما يلي: «هذه الزيارة ستقفز بلبنان الى واجهة الاحداث العالمية من حيث التعريف بقضيته. سيرافق قداسته ما لا يقل عن مائة صحافي ورجل اعلام، وسيسلطون الضوء على الوضع اللبناني، وسيوردون نتفا من تاريخه، ويبسطون قضيته على العالم، ويذكرون بأنه بلد مظلوم، ارضه محتلة، وشعبه مقهور، وارادته مشلولة، وسيادته منتقصة، واستقلاله في مهب الريح. هذا امر لا يستهان به، والرأي العام الدولي له وزنه في تقرير مصير الشعوب والبلدان. افليست هذه مكاسب يجب ان نشكر قداسته عليها؟».
جاء البابا يومها الى لبنان ونزلت «المعارضة» الى الشارع لتستقبله بصور زعمائها وبشعاراتها واعلامها ورموزها. ويؤكد المرجع الكنسي ان «ما بعد تلك الزيارة يختلف تماما عما قبلها. لم يتغير سلوك السلطة اللبنانية ولا سلوك السلطة السورية انما استطاعت المعارضة، خصوصا عبر شبابها، ان تكسر حاجز الخوف».
بعد زيارة الاثنتين وثلاثين ساعة للحبر الروماني، ترك البابا لبنان ليس كما استقبله والمسيحيين ليس كما لاقوه. لكأنهم اودعوه كل مشاكلهم واخفاقاتهم واحباطاتهم ومخاوفهم واقبلوا على الحياة الوطنية من منظور مختلف. سيحتاج الامر لاحقا الى كثير من الصبر والتضحيات والتراكمات وانتظار الظروف والمتغيرات لتبديل الواقع. لكن من دون شك، وضعت زيارة يوحنا بولس الثاني المدماك الاول لدينامية جديدة في الوسط المسيحي.
وفي كلمة الوداع قبل ان يغادر الاراضي اللبنانية، قال يوحنا بولس الثاني «انني ادعو مسؤولي الامم الى احترام الحق الدولي، ولاسيما في منطقة الشرق الاوسط، حتى تتأمن سيادة الاوطان واستقلالها الشرعي وامنها ويحترم حق الشعوب وتطلعاتها».
كان هذا قبل 15 عاما ومن فم بابا كرسته الكنيسة «طوباويا» على درب القداسة.
اليوم سيسمع اللبنانيون والعالم كلاما مشابها من بنديكتوس السادس عشر وهو يطأ ارض لبنان مختصرة وممثلة لارض الشرق كلها.
لكن ظروف اليوم لا تمت بصلة الى ظروف الامس سوى بالتأزم ونتائجه. اما الاسباب والمسببات فتختلف، كما الوقائع والمعطيات.
لقد انتقل المسيحيون من حال الى حال. اخرجوا مسجونيهم السياسيين واعادوا منفييهم. تراجع عدد المهاجرين وعاد كثر من المهجرين. اقام المسيحيون تحالفات سياسية مع المسلمين، مستعيدين، اقله في الشكل، الانقسام على اساس سياسي وليس طائفيا.
ومع ذلك، يبقى «الخوف» سمة الخطاب والسلوك المسيحي. يخافون من العد والعدد. من المسلم، وهم معه متحالفون. من السوري، وقد خرج من البلد. من الفلسطيني ولو اقسم انه ضد التوطين. من العربي الذي يطمس هويتهم. ومن الأجنبي الذي ياخذهم بجريرة العرب. يخافون من التاريخ ومن المستقبل. يخافون من «جنون» زعمائهم ومغامراتهم القاتلة، ويؤلهونهم في الوقت نفسه. يخافون من «السلفيين» ويغضون الطرف عن الاصوليات المتنامية في بعض خطاباتهم وسلوكياتهم.
فماذا يمكن للبابا «الآتي من البعيد» ان يحل من مشاكل المسيحيين او يخفف من هواجسهم المتراكمة؟ وعلى من سيقرأ مزاميره، خصوصا ان المسلمين اللبنانيين ليسوا بحال افضل؟
يراهن مرجع كنسي على «ان الزيارة البابوية ستكون محطة يمكن التاسيس عليها لتفاهمات ومقاربات وطنية جديدة في الوسط المسيحي كما على المستوى الوطني. ولكن اذا كان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم، فهل نطلب من البابا ان يغيّر في اللبنانيين ما لا يريدون ان يفعلوه؟ زيارته مباركة من دون شك. والناس، من كل الطوائف متحمسون لها لتضفي على وطنهم السلام وتنشر المحبة. اما السياسيون فلهم حساباتهم ومنطلقاتهم التي لا تلتقي دائما، مع الاسف، مع تعاليم الكنيسة وطروحاتها».

 

عن السفير


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé