مقالات مختارة

مسيحيو الشرق ومسيحيو الغرب وفلسطين بينهما   18/09/2012

 

اميل خوري
قدم قداسة البابا، حاملاً رسالة المحبة والتآلف بين الطوائف والأديان، واصفاً لبنان بنموذج التفاهم بينها. مقدراً أن الرعية بحاجة إلى الأمل، والأمل لا يأتي من الظلمة إنما من نور الخطط التي تقتنع بها الرعية. وقد رأيت أن تدور كلمتي، في هذه المناسبة، حول الاستماع والنقد واستعراض الحلول.
الاستماع هو إصغاء كلٍّ من مسيحيي الغرب إلى مسيحيي الشرق، والعكس. ذلك أننا لا نتكلم اللغة نفسها ولا تحمل الكلمات لِكِلَينا المعاني نفسها.
على الغرب أن يفهم أن التحريض على الإسلام هو عملية سياسية تمارسها دول حلف شمال الأطلسي وحلفاؤهم منهجياً. إنه إرث سياسي يعود إلى بدايات الإسلام. لذلك، على الغرب الإصغاء لمسيحيي المشرق ووجهة نظرهم. فالمشرق تعددي بطبيعته، فيه أكثر من خمس وعشرين كنيسة وأكثر من اثني عشر مذهباً مسلماً وفيه عرب وكرد وكلدان وأشوريون وبربر وشركس وشيشان وأرمن، وفيه من يُصلّي بالعربية أو السريانية أو الإيرانية أو الكلدانية أو القبطية أو غيرها. حلول التجزئة والتقسيم إذاً ليست واقعية. هي مفيدة في نظر بعض استراتيجيي الغرب، لأنهم اقتنعوا بأن المشرق المُفتّت يناسب شهيتهم السياسية. إلا أن طوائف المشرق وقبائله لا ترضى بهذه الحلول. طبعاً في الساحة مَن يستفيد منها وبالتالي مَن سيؤيّد برامج التقسيم.
وعلى مسيحيي المشرق أن يُصغوا لِما قد يقوله الغرب. فنحن أمام دُوَلٍ استعمرت العالم لمئات السنين، وليست مستعدة للتنازل عن مصالحها. لا يكفي أن يربح مسيحيو المشرق الحجج في مساجلاتهم مع رؤساء الغرب وزعمائهم. ولا يكفي أن يمارسوا لعبَة التظَلّم واجترار لائحة المشاكل والمسائل. عليهم أن يتعدّوا ذلك كله إلى صياغة سياسات بديلة، وعلى الطرف الذي يحتاج لتغيير طبيعة العلاقة أن يصوغ اقتراحات الجديدة.
أما النقد، النقد الذاتي ونقد الغريم، فإنه بالأهمية نفسها. على مسيحيي المشرق أن يواجهوا بعض الحقائق التي تخصّهم. وأوّل النقد هو تسجيل حقيقة التشرذم. فالكنائس المسيحية ليست فقط حاملة الخصوصية التاريخية لكل كنيسة، إنها بالإضافة إلى ذلك، في بعض الأحوال، تحمل لواء التعصب الطائفي وتعزز التباعد بين الطوائف. لم تشهد الكنائس المشرقية اجتماعاً واحداً لكنائس إنطاكيا والإسكندرية والقدس، الأرثودكسية والكاثوليكية، إضافة إلى الكنائس الإنجيلية. كانت فكرة «مجلس كنائس الشرق الأوسط» أن تُنشئ مؤسسة تتشارك فيها الكنائس في المنطقة. إلا أن الواضح هو أن هذه المحاولة ما زالت بعيدة عن تمثيل مصالح مسيحيي المشرق.
علينا أيضاً أن نسجل في معرض النقد الذاتي أن مسيحيي المشرق لم يقوموا بما يلزم لتنظيم علاقاتهم مع الطوائف الإسلامية التي تحيط بهم. ليس المطلوب هنا معاودة اجتماعات التقريظ المتبادلة وطباعة المزيد من الصور التذكارية. على المسيحيين أن يأخذوا المبادرة. لن تُحلّ مشاكل المشرق بالتهرب من المسائل المطروحة في الساحة.
أما في نقد الغرب، فعلينا أن نسجل مواقفنا حتى تكون واضحة لهم. لقد احتل الغرب اسبانيا الإسلامية ثم مارس حروبه الصليبية ثم احتلّ أفريقيا ثم أميركا ثم عاد فاحتل الشرق، كل هذا تحت عنوان أرض الميعاد والعودة إليها. كان كتاب يشوع مصدر الإلهام. كان كتاب يشوع مصدر الحجج والمبررات لكل هذه الحروب. لقد أمر يهوه اليهود أن يحتلّوا كنعان وأن يقتسموا أراضيها.
وعلينا أن نسجل، أنه لم يعد ممكناً للغرب أن يستمر بممارسة سياساته القديمة التي تعوّد عليها. فقد بدأت في الشرق ثورة الشباب، وعددهم ثُلثا السكان (تحت سن السابعة والعشرين). ومهما كانت النتائج الأولية لتحركاتهم، فإنها ستأتي بالديموقراطية، شاءت أم أبت القيادات الجديدة التي تربّعت أو ستتربع على العروش الشاغرة. لقد زال الخوف، وأصبح الشعب يعرف كيف يدافع عن حقوقه. إن من مصلحة الغرب أن يعاود حساب سياسته في المشرق.
إن على مسيحيي الغرب ومسيحيي الشرق أن يعوا أن مسؤولياتهم الدينية تتعدى ممارسة الطقوس والاهتمام بالرعية في المدينة والقرية التي ينتمون إليها. إن على كليهما، مسؤوليات علاقاتهم الدولية. إن على كليهما أن يتعاونا، وأن يعلما أن الكثير من قضاياهم الشخصية يتم القرار فيها خارج الوطن. السياسة الخارجية ليست شكلاً من أشكال البذخ، ولا هي مهمة يمكن تأجيلها إلى الأيام والأشهر المقبلة. إن القرارات السياسية تؤخذ يومياً في الوزارات والقنصليات وفي غرف المخابرات المظلمة خارج الوطن. هذه ليست مهمات سهلة، ولا هي على مستوى قدرة شخص أو عبقرية مطران أو نجابة بطريرك أو بلاغة فقيه. إنها مهمة تحتاج للتخطيط، وللكثير من الإعداد. مجرد استحداث لائحة للمواضيع التي يجب إدراجها على لائحة البحث تحتاج لبحث مُضنٍ.
إن الغرب الأوروبي يتجه باطّراد نحو المزيد من العلمنة مع الكثير من مظاهر العداء للدين. والغرب الأميركي يتجه إلى المزيد من التطرّف في تأويل الكتاب المقدس. ولكلا الخطين مردودات سياسية يتم استغلالها لرسم سياسات جديدة تفضل استيحاء فلسفة يشوع البسيطة والمناسِبة على تعاليم المسيح المُتعِبة. إلا أن المسيحية التقليدية في الغرب، خاصة على المستوى الشعبي، ليست بعيدة عن المفهوم المسيحي المشرقي. إن الكنيسة الكاثوليكية مؤسسة دولية شديدة التنظيم، وبمقدورها أن تساهم في إنجاح محاولات الحوار مع الغرب. إن على مسيحيي الشرق والغرب أن يتعاونوا على هذا الأمر. وللكنيسة الكاثوليكية دور لا يمكن الاستغناء عنه في هذا المجال.
ولا تستقيم هذه الرسالة من دون الإشارة إلى وضع مسيحيي فلسطين. كُنّا نظن أن مسيحيي القدس قد وصلوا إلى الحد الأدنى، أي سبعة آلاف نفر، فإذا بالعارفين في الأردن يخبروننا أن عددهم انخفض من جديد إلى ما يقارب الخمسة آلاف. هل يرغب الغرب بأن نبشّره بأنه نجح في دعم «الدولة اليهودية» إلى الدرجة التي انتصرت فيها على المسيحية، وأننا على أبواب انقراض المسيحية في عاصمة المسيحية. هل لعاصمة الكثلكة، الفاتيكان، دور في وقف هذا النزيف؟
إن الذي ينتظره الناس من زيارة قداسة البابا عظيم. ربما كان المطلوب أكثر من الممكن. إلا أنّ على قداسة البابا أن يتذكر أن مشاعرنا تقول: عندما تبحث عن الحل، انظر باتجاه القائد. هذا أعلى مستويات التحدي.

عن السفير


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé