مقالات مختارة

مسيحيون عرب يشاركون في استقبال البابا: نحتاج إلى أكثر من صلاة بقلم مادونا سمعان   18/09/2012

 



بين الحراك اللبناني لاستقبال البابا بنديكتوس السادس عشر، حراك مسيحي عربي لم يأت هذه المرة إلى لبنان للتبارك من الرجل الأبيض، بل لتوجيه رسالة ممزوجة بأحاسيس الخوف على المصير.
في لبنان، زوار مصريون وأردنيون وسوريون وعراقيون يذرفون الدموع على أوطانهم، ويخشون مخططا يفرغ المنطقة من مسيحييها ويحملهم إلى مجتمعات جديدة بعيدة عن النيل ودجلة والفرات وأسواق حلب والشام العتيقة. منهم من بات يخفي صليبه ومنهم من يعيش على إيقاع الأحداث اليومية في انتظار خواتيم يأملون أن تكون سعيدة... ولأن الخوف يعتري قلوبهم، تحدثوا عن زيارتهم إلى لبنان بأسماء مستعارة، واللافت للانتباه أنهم اختاروها عربية، ربما تأكيداً وتشبثاً بالهوية.

مصر «النازفة»

تخلع «رابعة» سلسالها الذهبي الرفيع الذي ينتهي بصليب صغير، لتضع مكانه صليباً أكبر يحمل المصلوب. هو تذكار قديم من أمها قبل أن تموت، أوصتها بأن تحمله دائماً. يعزّ على «رابعة» أن تخلعه في بلاد النيل، أرض الأجداد، حيث بات «الآخر مرفوض» كما تقول، وحيث بات هذا الصليب، «أداة استفزاز». تعتبر المرأة السبعينية أن لبنان لا يزال يتقبّل الصلبان «أليس رئيسه مسيحياً؟» تسأل.
تزور «رابعة» بيروت للمشاركة في استقبال البابا. لا يهمّ إن كانت قبطية تتبع التقويم الشرقي، ولا تنتمي فعلياً إلى سلطته الكنسية. أتت لإثبات الوجود، وفق ما أوضحت، و«لأخذ قسط من الراحة من إحباط يتقاسم يومياتي في القاهرة وأنا أشهد على موت المسيحية فيها وهجرة شبابها إلى بلاد غريبة».
تراود إلى مسامعها أن نحو مئة ألف قبطي تركوا مصر في غضون السنة الماضية، وأن الدول الغربية لا تتشدّد في استقبالهم، بل توزّع عليهم تأشيرات الدخول كمن يوزّع كتيّبات إعلانية.
وصلت «رابعة» إلى مطار رفيق الحريري برفقة إحدى بناتها وحفيدتها وزوجها على متن الطيران المصري. وهؤلاء يدرسون وضعهم للهجرة إلى أي بلد أوروبّي. وبالتالي نحن عينة من حالة «النزف المسيحي» في المشرق، يقول زوجها «وائل». يشرح أنه في زمن «الإخوان المسلمين»، تصغر الصلبان ويمكن أن تختفي في الصدور وتحت القمصان، لكنّ التشبّث بالمسيحية يتضاعف. ولأنه يتضاعف قرروا المجيء إلى لبنان والمشاركة في استقبال البابا، على اعتبار أن زيارته للبنان مقصود منها كل البلاد العربية.
تدرك الجدة والحفيدة أن الزيارة تحمل رسالة واضحة تدعو إلى تشبث المسيحيين بأرضهم وبهذا الشرق، تقول «رابعة»، «ولولا ذلك لما كان الحبر الأعظم ليعرّض حياته للخطر». لكنّ الحفيدة «جينا» غير أكيدة من أنها ستمتثل لدعوته. تقول: «هناك كثيرون من الأقارب والأصحاب يحزمون أمتعتهم الآن إلى بلاد وحياة جديدين». ترى أن وضع بعض أصحابها من «المسلمين المعتدلين»، على حد تعبيرها، «أصعب من وضع المسيحيين لأن هجرتهم غير مسهّلة، وبقاءهم بين المتشددين صعب للغاية».
لم تأت تلك العائلة ضمن وفد قبطي مصري منظّم، بل أخذت المبادرة بنفسها خوفاً من «الأثمان التي يمكن أن ندفعها عند العودة». لكن أفرادها أكدوا تنظيم وفود إلى لبنان، من خلال الكنائس، ستحمل معها رسائل واضحة تطالب بحماية الأرواح والأرزاق أولاً، واستعادة الدور ثانياً.

العراق بات حلماً

يهمّ ابن العراق «غسّان» أن تصل الرسالة القبطية المصرية إلى البابا، فهو يشاهد اليوم نسخة جديدة من سيناريو العراق الذي فقد مسيحييه «لا بل دفعوا ثمن الحرب عليه بمباركة غربية». بالنسبة إليه من الممكن أن يشكّل تشبث القبطيين بأرضهم أملاً لعودة العراقيين المسيحيين إلى بلدهم، ولو أن تأشيراتهم إلى حيث ذهبوا هي تأشيرات هجرة.
أتى «غسان» إلى لبنان، مغتنماً صداقته وأحد الرهبان المشاركين لزيارة أقارب له في بيروت والاطلاع على أوضاعهم كلاجئين إليه.
يلفت الانتباه إلى أن عملية «اضطهاد» المسيحيين بدأت من العراق ومن الممكن أن تصل إلى لبنان، مصراً على استخدام كلمة اضطهاد التي يخاف كثيرون من لفظها «على الرغم من أنها التوصيف الصحيح لحالة مسيحيي الشرق».
يعتبر أنه منذ ولادة المسيح، مروراً بمجيء النبي محمد، وحتى العصر الحديث، لم تشهد هذه المنطقة اضطهاداً لأي فئة من نسيجها الاجتماعي الطائفي كالذي يشهده مسيحيوها اليوم. ويؤكد أن كلمات الإحباط والنزف لا تفي بالغرض، وأنه على الحبر الأعظم أن يشكل فريق طوارئ لإنقاذ المسيحيين المهددين بالانقراض!
يشير «غسان» إلى أن حالة الشعور بالاضطهاد تمرّ بمراحل، أولاها، الخوف من الآخر المُضطهِد أو الرافض لمن لا يشبهه، ثم تبدأ مرحلة أخطر وهي الشعور بالغربة في الوطن وبالتالي كره الوطن. وبرأيه عبثاً نصلّي إن لم توضع الخطط الفعّالة من قبل الكنيسة من أجل بقاء آمن وراسخ للمسيحيين في الشرق.
حالة الإحباط التي يعيشها «غسان» وصلت حدّ اعتباره أن العراق «بات ماضياً» بالنسبة لغالبية مسيحييه، وأنه باق فيه كي لا يترك والدته الثمانينية وحدها، وهي ما زالت ترفض مغادرة أرضها. ومن الصعب، كما يضيف، أن يشعر العراقيون بعد عشر سنوات بوجود دافع للعودة إن اصطلحت الأمور، لأنه حينها يكونون قد رتبوا حياتهم وتكيفوا مع مجتمعاتهم الجديدة.

مسيحيو الأردن وسوريا

يوم غد الأحد ستمتلئ مقاعد كثيرة في باحة وسط بيروت بوفود سورية وأردنية مسيحية وحتى مسلمة أتت للقاء الحبر الأعظم. عدد كبير من الأردنيين فضّل الوصول جواً، فيما سلكت الوفود السورية طريق البرّ، ومعظمها بالمفرق مخافة اعتراض طريقها أو منعها، من قبل مجموعات مسلحة، «لأن الاحتياط واجب» كما يقول «أبو طارق».
لا يمكن لهذا الأب الذي يرأس عائلة من أم وأربعة أولاد أن يتخيّل حياته خارج سوريا. وهو على الرغم من «النزف المسيحي» الذي شهده العراق وتشهده مصر، يعتبر أن الحالات السورية والأردنية واللبنانية مختلفة «وفيها لن تنجح المخططات في إرساء الحركات السلفية والأصولية على حساب الأقليات».
على الرغم من ذلك يزور «أبو طارق» لبنان برفقة عائلته وهو أبى أن يترك أحداً منها في حلب، مسقط رأسه، خوفاً من أي طارئ قد يفرّق العائلة. مثله، فعل عدد من جيرانه المسيحيين، كما يروي، واصفاً حقائبهم بأنها «حقائب هجرة»، ويردف «لعلنا نمنع من العودة.. من يدري».
«الأوضاع المحيطة تقلق أهل الأردن» ولو أن «الموسى لم يصل للرقبة بعد»، بحسب «لارا» التي تزور لبنان برفقة خالتها «للتبارك من الحبر الأعظم». برأيها لن يعبث أحد بأمن الأردن «لأنه حالة خاصة»، وتصف وضع المسيحيين فيه بـ«المستقرّ».
لا تنفي «لارا» أن الأوضاع السياسية والاقتصادية تدفع بالكثيرين إلى محاولة الهجرة، وهو أمر ينسحب على فئة كبيرة من المسلمين أيضاً. تقول «لارا» انها شخصيا تخاف من مجرد التفكير بأنها ستضطر يوماً إلى التفكير بمصير جديد بعيدا عن تراب وطنها. تختم حديثها بالقول «بتنا نحتاج الى أكثر من الصلاة».

عن السفير


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé