مقالات مختارة

فلنُنهِ عهود أهل الذمّة   20/09/2012

لوحة لفيصل سلطان.

  • عقل العويط

لقد جرّبنا الدولة القومية في العصر الحديث، فلم تنجح. وجرّبنا الدولة التوتاليتارية والأمنية، فلم تنجح. وجرّبنا دولة الاستبداد الفردي أو الحزبي، فلم تنجح. وجرّبنا على مدى التاريخ الدولة الإسلامية، خلافةً وسواها، فلم تنجح. الآن، في غمرة تهاوي الأنظمة الجائرة، تطفو على السطح الدولتي العربي أنظمة إسلاموية الهوى، بالتزامن مع اشتداد الدعوات إلى إقامة الدولة الدينية. فهل نكون أمام احتمال ولادة عصر جديد من الديكتاتوريات والذمّيات، في مفهوم الدولة، وفي مقاربة السياسة، وفي منطق الحياة المجتمعية والفردية؟
لستُ متضلّعاً من وقائع التاريخ الذمّي العربي (راجع الصفحتين 22 و23 من "الملحق"). لكني أعرف تمام المعرفة أن العبودية تتخذ لنفسها أسماءً ووجوهاً وأقنعة متعددة، ليست الذمية إلاّ واحداً "ألمعياً" منها.
لقد أمضت الشعوب العربية الخمسين عاماً الأخيرة، وهي تناضل من أجل التحرر من ربقة الأنظمة الاستبدادية. ها هي تتهاوى. حسناً. لكنْ ليس عندي أوهام وردية ساذجة حول البدائل السياسية، التي تترتب، وستترتب على سقوط هذه الأنظمة، آخذاً في الاعتبار المعطيات الموضوعية، في داخل كل دولة عربية معنية، كما المعطيات المتعلقة بمصالح الدول الكبرى.
الحكومات الإسلامية تتربّع على المصائر، وليس على الكراسي فحسب. وعليه، فأنا، شأني شأن غيري من التائقين إلى مستقبل ديموقراطي، لشعوبنا ومنطقتنا، أدعو إلى مواصلة النضال حيث ينبغي لنا أن نناضل. بل سأقول علناً وبوضوح سافر: دولة الإسلام ليست هي الحل. كما أن اليهودية ليست هي الحل. ولا المسيحية بالطبع. لقد جرّبنا كل شيء تقريباً على مستوى أنظمة الحكم، إلاّ الدولة المدنية، بما هي عروبة إنسانونية حضارية، لا دينية. فلنجرّبها، لكي لا نندم قبل فوات الأوان.
في رأيي أن ليس للعالم العربي، لدوله ومؤسساته، شعوبه وجماعاته وأفراده (خصوصاً أفراده)، من خلاص مشرِّف إلاّ بالدولة المدنية. فهي وحدها دولة القانون ودولة الحرية والديموقراطية. كل إرجاءٍ لهذا الحل، كما يجري حالياً في دول المغرب العربي، وفي مصر، وفي العراق، وفي "سوريا الطبيعية"، فضلاً عن دول القهر والظلام العقلي الخليجي، من شأنه أن يكثّر الدم، ويضاعف النزف في ضمير هذا العالم العربي، وفي كينونته، وفي بناه السياسية والمجتمعية، قهراً وإذلالاً وتضييقاً وخوفاً وترهيباً وقمعاً واضطهاداً وتهجيراً.
الآن، قبل كلّ غدٍ قريب أو بعيد، يجب أن يتفكر المنتصرون والخاسرون في مآلاتهم، معاً وفي آن واحد. أما الطليعيون المستبصرون والمتنورون فجيب أن يخترعوا الحلّ المدني.
أقول للدول الإسلامية، المتزمتة، خصوصاً في الخليج العربي، وإيران، كما للمنتصرين الإسلاميين في ليبيا وتونس والمغرب ومصر والعراق، وغداً في سوريا وغيرها: الإسلام كدولة ليس هو الحل. وليست ولاية الفقيه هي الحلّ. فلا تخلقوا ديكتاتوريات وذمّيات جديدة، سياسية، اجتماعية، عقلية، فكرية، سياسية، حزبية، و... دينية. فأنتم بذلك تحفرون من الآن القبور لأنظمتكم هذه، مثلما حفرت الدول الاستبدادية المتهاوية القبور الجماعية، لنفسها ولشعوبها على السواء.
شأني أن أطالب بالحرية لنفسي كمواطن، وللدول والشعوب والأفراد. هذا حقي وواجبي كمواطن فرد، مدني، علماني. ذلك أنه لا حرية في كنف السلطة الدينية. كما لم يكن ثمة حرية في كنف الحكم الاستبدادي، القوموي، الحزبي، والأمني.
هذا هو خطابي، أقوله بعلنية جارحة، لكن صادقة، ومليئة بالاحترام للنتائج المترتبة على الثورات الجارية، أياً تكن هذه النتائج، وأيا يكن حكّامها وحكوماتها. هي وهم، أي النتائج والحكومات والحكّام، ماثلة وماثلون أمامنا الآن. لكن هذا لا يمنعني البتة من أن أكون واضحاً وصريحاً وشفّافاً بالقوة نفسها، حيال كل أشكال الاستبداد والمصادرات السياسية والمجتمعية والدينية. لهذا السبب، أدعو القوى والأحزاب والجماعات الإسلامية الهوى إلى أن لا تسكر بنجاحاتها، فتتعامى عن أولوية الحل المدني، كشرط مطلق لقيام كل ديموقراطية حقيقية.
وإذ أخاطب هذه القوى الفائزة التي تحلّ محلّ سلطات عفنة، كحكم القذافي وزين العابدين ومبارك، وقريباً تحلّ محلّ الأسد، فإني أدعوها الى أن تعي عميقاً حركة التاريخ من جهة، ورغبات الشعوب والأفراد من جهة ثانية.
حركة التاريخ ليست ورائية، بل أمامية مستقبلية. لذا هي تأنف الحلول "الأخروية" الدينية، التي عانى منها العالم العربي الأمرّين، في عهوده كلها، مثلما عانت منها أوروبا، بل العالم كله. هذه الحركة نفسها، ستنأى عن مثل هذه الحلول الدينية، التي تلوح مجدداً في الأفق العربي. ثمة "حتميات" إيجابية، في التاريخ، ينبغي للمنتصرين أن يعوها جيّداً، لئلا ينقلب سحر انتصارهم عليهم. لكني، للأسف، ومن خلال الوقائع على الأرض، في مغارب العالم العربي ومشارقه و... خليجه، لا أعتقد أن هؤلاء يدركون تماماً ما هم سكارى به، وما هم طامحون إليه، ومقبلون عليه، عندما يرفعون شعارات من مثل شعار الدولة الدينية.
قد ينتصر هؤلاء الإسلامويون لسنة، لسنتين، لعشر، بل لعشرين، بل لخمسين، بل لمئة. ثم ماذا؟ خلال ذلك، سيتضاعف الاستئثار. والظلام. والتقية. والذمّية. والغبن. والقهر. والفقر، والتخلف، والحقد. والألم. والتوق الى التغيير. وسيكفر بهم مريدوهم قبل الآخرين.
وإذ أدعو الإسلاميين إلى عدم الوقوع في الخطأ الكبير اللايُغتَفَر، فإني أدعو في الآن نفسه، مسيحيي الشرق، إلى عدم تطلّب الذمّية، السياسية والأمنية والمجتمعية والدينية، التي "ألفها" بعضهم طويلاً، فتعمشق هذا البعض بالاستبداديين من كل نوع وجنس، في التاريخ العربي، القديم منه والحديث. لا أعمّم، فثمة من هو حرّ في هذا العالم العربي. ثمة مسلم حرّّ، ومسيحي حرّ، ومدني علماني حرّ. هؤلاء هم الذين سينشئون الدولة المدنية، وإن بعد ألف دهر ودهر.
أغتنم هذه اللحظة المفصلية من تاريخنا العربي، لأدعو كنائس المسيحيين، أحبارهم والجماعات والأفراد، إلى أن يكونوا شهوداً لمسيحهم، لا شهوداً عليه. فليكفّ أمراء المسيحيين وأسيادهم وزعماؤهم عن ارتداء البرفير (العقلي) الباذخ ظاهراً، وارتداء الأقنعة الذمّية الذليلة، علناً وفي السرّ على السواء.
مسيحكم حالم، مناضل، ثائر، حرّ، نظيف الكفّ والروح و... الجسد، يا مسيحيي الشرق، فلا تجعلوه مسيحاً مسطحاً، كسيحاً، راضخاً، خنوعاً، ذمّياً، ومتّسخ الكفّ والروح والجسد. تجذّروا في أرضكم المشرقية، ولا تنأوا عن مسيحكم. ناضلوا من أجل إقامة دولة القانون، الدولة المدنية، ولا تدخلوا مجدداً في متاهات الذمّيات المتواصلة، المختلفة الوجوه والأقنعة، لكن الواحدة معنىً ومصيراً.
أخاطبكم بدون تعميمات. فقولوا ذلك لأنفسكم أولاً، جماعاتٍ وأفراداً. قولوه ثانياً لأحبار كنائسكم المحلية، ليعيشوه. لأنهم ربما لا يعيشونه. هم قد يكونون أكثر ما يحتاجون إلى مثل هذا الكلام الصافع الصدق. ثم قولوه ثالثاً لأبيكم الأقدس، ما دام في ظهرانينا.
إفعلوا شيئاً تاريخياً كهذا، لتتحرّروا من تابوهاتكم، ولتحرّروا كنائسكم من "أنظمتها" و"مؤسساتها" و"ملوكها"، كي لا تصبح شبيهةً بالاستبداد، أنظمةً ومؤسساتٍ و... حكّاماً على السواء.
دوركم أن تشاركوا مع الأحرار الآخرين في اجتراح المعجزات، وفي مقدمها معجزة إقامة دولة الحق، دولة القانون: الدولة المدنية.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé