مقالات مختارة

هكذا يتحدّث الأوروبيّون   20/09/2012

جورج علم

 

يؤكد الأوروبيّون في كواليسهم الديبلوماسيّة أن قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، جاء ليؤكد على دور لبنان وموقعه ووظيفته الآنيّة والمستقبلية في الشرق الأوسط، وسط المتغيرات التي تشهدها دوَله، جاء يستودعه الإرشاد الرسولي الخاص بمسيحيي الشرق، ويذكّره بالتزاماته حيال الإرشاد الخاص به. للتذكير فقط، فإن الديبلوماسيّة الأوروبيّة قد رافقت الزيارة بمختلف محطاتها بصمت واهتمام، وبقي عليها المثابرة في متابعة الإجراءات التطبيقيّة.

- كيف؟.

- هناك لجان متابعة، وقنوات ديبلوماسيّة مفتوحة، ومواكبة دؤوبة للتطورات والمتغيرات المحيطة بالدول المعنيّة بالإرشاد. واختيار لبنان لم يتمّ عن طريق الصدفة، إنما عن سابق تصوّر وتصميم، كون البابا الراحل الطوباوي يوحنا بولس الثاني قد كرّسه وطن الرسالة، وملتقى حوار الأديان والثقافات، فضلاً عن ميزته الإعلامية الرائدة، ودور بكركي الذي يُبنى عليه الكثير في زمن الربيع العربي.

ويعتبر الأوروبيّون أنّ ما أعلنه البابا بنديكتوس خلال زيارته، كان مجرّد خلاصات ميثاقيّة مُستوحاة من الطائف، والإرشاد الرسولي الخاص.

وثيقتان تشكلان معاً خارطة طريق للبنان الحاضر والمستقبل، نموذج الوحدة، والسلام، والمحبة، والمصالحة، والتوازن، ونبذ العنف والأصوليّة، واحترام الآخر، وحقوق الإنسان، والتمسّك بالأرض، ورفض الهجرة... إنّ هذه الثوابت موجودة في الإرشاد، كما في الطائف، لكنها بقيت حبراً على ورق، وهذا ما أضفى شعورا غير مستحب على الزيارة، ومكانة الفاتيكان المعنويّة والروحيّة والإنسانيّة، "لم يكن مسروراً عندما اصطدم بالواقع، إذ بعد مرور 15 سنة على الإرشاد (11 أيار 1997)، لم يتغيّر شيء، ما زال اللبنانيون في دائرة النَّق، بيع للأراضي والعقارات، وهجرة كثيفة كنتيجة لأسباب لم تعالج، لأن الإرشاد بقي من دون تنفيذ، كما الكثير من مكوّنات الطائف".

وفي المقاربات الأوروبية انّ الإرشاد اصطدم بطبقة سياسية غالبيتها غير رؤيويّة، متمسّكة بحدود مصالحها، وهذه اصطدمت بدورها بالمتغيرات الخارجية التي تحاصر لبنان، وهو العالق أبداً ما بين فَكّي سوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. وهناك، بالمقابل، صيغ كثيرة مطروحة للخروج من النفق، منها ضرورة تفسير بعض بنود الطائف، لتوضيح كل غموض، وإزالة كل التباس، ولا مانع من أن تتولّى لجنة دستوريّة، حقوقيّة، قانونيّة متوازنة هذه المهمة، والسير تدريجياً لتمكين رئيس الجمهورية، المؤتمَن على الدستور، من الاضطلاع بدور الحكم المتجرّد لقيادة البلاد نحو ضفاف الاستقرار والازدهار.

إنّ دوره أساسي في تطبيق الطائف والإرشاد الرسولي معاً، وبهذا المعنى لا بدّ من تفعيل الانتظام العام في الديموقراطية البرلمانية كونها تعالج الأزمات المستعصية - أو يفترض أن تكون كذلك - بأساليب ديموقراطية، بحيث يعود للناخب الدور في إنضاج الحلول عن طريق صندوقة الاقتراع، ولا بدّ من أن يكون لرئيس الجمهورية الحق الدستوري في الدعوة الى انتخابات عامة، أو في الدعوة الى تعديل او تغيير حكومي إذا ما توافرت مبررات وطنية قاهرة تستوجب ذلك، وتكرّس بنَصّ دستوري واضح.

إن تفعيل دور الحكم في جمهورية الطائف، والإرشاد الرسولي، الهدف منه تحقيق دولة القانون والمؤسسات، والتحرر رويداً رويداً من منطق الدولة بالتراضي، والأمن بالتراضي، ومعالجة شؤون الناس بالتراضي، وتطبيق القوانين بالتراضي.

إنّ دولة التراضي قد أثبتت فشلها، فلا هي قادرة على تطبيق الإرشاد الرسولي، ولا هي قادرة على استكمال تطبيق اتفاق الطائف، ولا هي قادرة على احتضان الشباب أمل المستقبل، ووقف نزيف الهجرة، وبيع الأراضي والعقارات بحثاً عن أوطان بديلة. وحدها الدولة القوية القادرة والعادلة بإمكانها أن تحقق ما أوصى به البابا بنديكتوس السادس عشر، وهذه بحاجة الى ربّان حكيم، وحكم قادر مقتدر وعادل.

أما دور بكركي فهو أساسي ومكمّل، أساسي كونها فاتيكان الشرق، هذا هو دورها في الإرشاد، إنها الأمينة المؤتمنة على التعاون والمساعدة، وتسعى مع جميع الكنائس الشرقية باسم "الشراكة والمحبة" على وضع مضامينه موضع التنفيذ لتجذير المسيحيين في أراضيهم وأوطانهم. ويجب أن تضطلع بهذا الدور بجرأة وشجاعة وكرامة، وتكون شعلة الإيمان والرجاء والأمل لجميع المؤمنين، من ضمن احترام خصوصياتهم.

إن دولة قوية قادرة وعادلة في لبنان، وحدها تستطيع أن تكون وفية لمستلزمات الإرشاد، ووحدها تستطيع أن تأخذ بوصايا البابا التي استودعها المسؤولين، فتؤمّن التوازن والمحبة والسلام والعيش الواحد والمساواة أمام القانون والعدالة، وتنبذ العنف والتعصّب والأصولية. إنها بالتكاتف والتضامن والتعاون مع بكركي، دولة وكنيسة، يجعلان من لبنان نموذجاً للشرق، ووطن حوار الأديان والحضارات والثقافات.

جريدة الجمهورية


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé