مقالات مختارة

الموقف المسؤول للبطريرك الراعي والحل الديموقراطي - موريس نهرا - النهار   04/10/2011

ترتدي مواقف البطريرك الراعي أهمية خاصة، نظراً الى دلالاتها وانعكاساتها على الوضع الداخلي اللبناني، وعلى النظرة الى المحيط العربي، وهذا ما جعلها موضع اهتمام كبير وسجالات وتعليقات مختلفة.. والواضح أن هذه المواقف المسؤولة للبطريرك ليست وليدة مصادفة او افتعال، فهي منبثقة من صلب توجهات وثيقة الارشاد الرسولي من أجل لبنان، ومن رؤية واقعية للصراعات والتطورات الجارية في المنطقة العربية والمخاطر التي قد تنجم عنها، وخصوصاً بالنسبة الى الاقليات ومنها المسيحية.. وسبق ان ادلى بطريرك الارثوذكس اغناطيوس الرابع هزيم، وبطريرك الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، بتصريحات تتناغم والوجهة نفسها.. في مواجهة الانتفاضات والثورات الشعبية العربية الهادفة الى اسقاط انظمة الاستبداد والفساد والافقار والمهانة الوطنية، تلجأ قوى التدخل الخارجي المعادية لأهداف هذه الثورات ومعها بقايا الأنظمة، الى استخدام كل الوسائل لمنع وصولها الى تحقيق أهدافها. وتركز على تحويل التعدد الديني والمذهبي القائم في المجتمع الى انقسامات ونزاعات بغية تحقيق غرضين معاً:
الأول – إضعاف الثورات وحرفها عن مسارها الطبيعي التغييري الجامع، لتتحول الى صراع داخل الأوساط الشعبية نفسها.
الثاني – استغلال الخلل في نمط تعامل الأنظمة والسلطة القائم على قاعدة اقليات وأكثرية دينية ومذهبية، والشعور بالتهميش، لافتعال نزاعات لتفتيت الكيانات القائمة لاقامة "الشرق الأوسط الجديد". وقد شكل ما حصل في العراق بعد الاحتلال الاميركي من نزاعات دموية وتمزيق للوحدة الداخلية، وما حلّ بالمسيحيين من مآس وتهجير، مثالاً يؤكد المخاطر المحتملة. وتأتي ممارسات الأقلية اليهودية في الكيان الصهيوني، تأكيداً لعدوانية توسعية مفتوحة ضد الشعب الفلسطيني ولتهجير المسيحيين من القدس والناصرة وبيت لحم بخاصة، وتستكمل هذه العنصرية في اقامة دولة دينية يهودية كعامل استدراج لقيام دويلات على اساس ديني ومذهبي وطائفي في محيط اسرائيل، لضمان تفوقها الثابت وتوفير شروط سيطرة اميركية مديدة على المنطقة وثرواتها وموقعها.. وليست التدخلات الخارجية بما يجري في سوريا منفصلة عن المخطط الأميركي التفتيتي المذكور، علماً أن التباطؤ في تحقيق الاصلاح الضروري المطالب به، وطغيان العنف بديلاً من الحوار، هما في مصلحة نشر الفوضى والتدخلات الخارجية.. وإن بعض ما يجري في مصر من استفزازات بين تيارات اسلاموية وبين الأقباط، ليس أمراً طبيعياً بل يصب الماء في طاحونة المخطط نفسه.
ومن الواضح ان لبنان ليس في منأى عن تأثير ما يجري في محيطنا عليه، وخصوصاً سوريا، ولا سيما ان نظامه وسلطته يقومان على توازنات حساسة وسريعة العطب.. واذا ما كانت مواقف البطريرك الراعي وحركة الصلات واللقاءات التي يقوم بها، تنطلق من مفهوم تجذّر المسيحيين في هذا الشرق وفي نسيج مجتمعاته، وتجسد منحى الانفتاح الضروري على الآخر والاهتمام بما يجنب لبنان تعريض وحدته الداخلية والاستقرار فيه للحظر، إلا ان هذا الأمر على أهميته وفائدته، يبقى ظرفياً اذا لم يستكمل باعتماد توجه يفضي الى معالجة فعلية لمشكلة الأقليات في المنطقة، وللوضع اللبناني القابل دائماً للاهتزاز، وذلك بتبني حل ديموقراطي حقيقي يُلغي التمييز بين المواطنين على اساس الانتماء الديني والمذهبي. وهذا الحل الذي لم يتحقق، لا في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى، ولا في مرحلة السيطرة الاستعمارية المباشرة رغم علمانية دولها، ولا في حقبة الاستقلال السياسي، صار ضرورة ملحة. فمتطلبات الاستقرار وطمأنة الأقليات – ولبنان بلد الأقليات – وحماية وحدة المجتمع بكل مكوناته، لا تتحقق إلا ببناء الدولة الديموقراطية المدنية الحديثة التي تعتمد المواطنة معياراً لمساواة جميع افراد المجتمع في الحقوق نفسها. أما المتضايقون والساخطون على توجه بكركي الجديد، فإما عاجزون عن قراءة ما يجري في المحيط العربي، او انهم اعتادوا المراهنة او الارتهان للخارج، واعطاء انطباع وكأن المسيحيين في المشرق العربي الذين هم من هذه الارض ومن منتجي ثقافتها وتاريخها، بمنزلة جالية غربية بعيدة عن الاهتمام بشؤون المنطقة وقضاياها ومصيرها.. فلا التقوقع والظن بقيام دويلات دينية ومذهبية هما حل، ولا الحماية الخارجية. فقد كشفت التجربة ان القوى الخارجية لا تقيم وزناً للمبادئ والقيم والاخلاق، فتلجأ الى استخدام هذا الطرف او ذاك تبعاً لمصلحتها، وتتخلى عنه ليواجه مصيره عندما تنتفي حاجتها اليه.
إن ترسيخ الاستقرار والوحدة الداخلية للبنان، لم تنتجه الصيغة الطائفية للنظام، ولن تنتجه، لا بالمناصفة، ولا بهيمنة طائفة على الطوائف الأخرى، ويستدعي خياراً مختلفاً ينطلق من المصلحة العامة للشعب والوطن، وليس من حسابات تطغى فيها المصالح الشخصية لزعماء الطوائف والمذاهب الذين يتلطون بمصالح طوائفهم وحمايتها، لتأبيد زعامتهم ومواقعهم، وتحنيط نظامهم الطائفي الذي أكدت التجربة عقمه.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé