مقالات مختارة

لماذا أخفقت المحاولات لإقامة دولة المواطنة؟ - الخوري اسكندر الهاشم - النهار   04/10/2011

انفتاح الثقافات على القيم الكونية، موضوع طورته الكنيسة الكاثوليكية في وثيقة بعنوان "الانجيل والتثاقف" صدرت عام 1988، وكان الكاردينال جوزف راتزيغنر (البابا الحالي) أحد أبرز المشرفين عليها وقد دعت سائر الثقافات الى الانفتاح على هذه القيم.
هذا التطور الكبير في الفكر اللاهوتي والفلسفي للكثلكة هدف أولا الى تجسيد القيم المسيحية في واقع الثقافات معتبرا التثاقف عملية تطور شجاعة، تتطلب جرأة من أجل بث خمير القيم الانجيلية في قلب التحولات المعاصرة. إذا الرسالة المسيحية تتحول بفعل هذا التوجه الى عنصر جمع ووحدة، والى عملية تحول في قلب نظام الحياة.
هذه الدعوة الشجاعة، موجهة الى سائر الثقافات كي تنفتح بدورها على القيم العالمية التي تتناسب وتطلعات البشرية الاكثر عمقا. هذا التطور واجهته عقبات داخلية وخارجية، أي نقزة في الداخل الكاثوليكي ونقزة عند الأديان والثقافات الأخرى ولا سيما الاسلام. هذا النقاش يقدم احتمالا جديدا للوصول الى حقيقة كونية عالمية ترتبط حكما بامكان تطور العلاقات بين الثقافات، وبالتالي بين الأديان. هذا الانفتاح على القيم العالمية المشتركة يتطلب وعيا أكثر اتساعا وعمقا للبشرية مقابل توجه انعزالي وقومي صرف، وبالتالي اخراج المجموعات الثقافية من عزلتها للانتقال من الخاص الى العام، وهذه هي ضرورة قصوى في عالم تتداخل فيه المصالح والقوميات والاديان، في عالم أصبح قرية كونية صغيرة يتعرف فيها البشر الى إسهامات الجميع وجهدهم.
هذا التثاقف يرفضه الاسلام الاصولي، لأنه يعتقد أن الاسلام لا يحتاج الى التثاقف بفعل عمارته المكتملة وبفعل دعوته العالمية الى الانضواء تحت لوائه. كما ترفضه ايضا اليهودية في دولتها استنادا الى الحجة والدوافع عينها وهذا ما يسبب ضررا كبيرا للأقليات في هاتين النظرتين الى الله والعالم، فيما تعتبر الكثلكة ان التنوع هو عنصر غنى ولا يتعارض مطلقا مع التكامل الثقافي الذي يؤكد وجود طاقة داخلية تدفع الى التنوع والشركة معا.
هذه الاشكالية تدفع الى مقاربات جديدة ومختلفة في اتجاه الثقافات الاخرى وتتبنى نظرة حوار تفرض شروطها على المسيحيين قبل الآخرين، وتدعوهم الى التواضع والى الاندهاش امام تنوع الثقافات وغناها "المسيحيون يستفيدون كثيرا من فتح علاقات حيوية بينهم وبين العالم المعاصر... يجب العمل اذا على التقارب بين الثقافات بشكل يسمح للقيم البشرية ان تقبل عند الجميع بروح أخوة وتضامن".
هذا التوجه الجريء والشجاع، هو بمنزلة مواجهة واعية وعقلانية لصراع الحضارات الذي يستفيد منه المتعصبون في كل ديانة وثقافة. عميلة التثاقف تقف في مواجهة تبدو حتمية بين الانعزال والانفتاح، بين التعصب والتسامح، وهي تسمح بهدم الحواجز ومد الجسور بين الاعراف والديانات. فمنذ مطلع ستينات القرن الماضي فتحت صفحة حوار واعدة يبن المسيحية والاسلام، وهذا شكل تغييرا في المساكنة التي كانت حادة في طباعها، وحوار الحياة هذا أصبح حقيقة بفعل قناعات الخيرين في الديانتين، وبفعل اقرار داخلي بأن المواجهات لا تؤدي إلا الى مزيد من الخراب، وبعدما انخفض منسوب الحدة بين الديانتين والثقافتين، عادت الحدة الى الارتفاع بعد أحداث ايلول 2001 وبعد المواجهات العسكرية الدامية بين الغرب الذي يصر الاسلام على تسميته الغرب المسيحي وبين "القاعدة"، واذا كان الغرب "الصليبي" قد أجبر على التعايش مع الديانة الاسلامية في واقع الحضارة الغربية المعاصرة، فقد أجبر ايضا على ان يواجه متطلبات العلمنة وما فرضته من شروط على مسرح الثقافة الغربية ومدى تأثيرها في المسيحية وكنائسها، لكن المشرق العربي في المقابل عرف تراجعا مخيفا في المساكنة، فانخفضت أعداد المسيحيين الى حد كبير في مدن كانت تسمى (كوزموبوليت) الاسكندرية، حلب، اسطنبول بيروت، لتتحول بعد أقل من نصف قرن مدنا من لون واحد وطعم واحد، وأصبح المسيحيون في حال تقهقر ثقافي واقتصادي وسياسي بعدما انعدمت الوسائل في أيديهم جراء التأميم وجراء الحرم الذي أطلقته ضدهم حكومات ظاهرها علماني وباطنها ديني، وسعت الى تعميم ثقافة الاسلام ليشكل الاطار العام والعنوان العريض والثقافة الوحيدة، تاركة للآخرين خيارا واحدا: الرحيل او العزلة القاتلة. وما محنة لبنان الا الوجه المعبر عن هذا الخيار ولم يعد للمسيحية من ملاذ تمارس فيه ثقافتها وحضورها واصبحت الهجرة هي المخرج الآمن الوحيد من الاصولية الاسلامية الزاحفة، ومن خناق الحكومات المتوالية في بلاد العرب التي تتنافس كلها على اظهار تعلقها بأهداب الدين الحنيف، وغالبا ما تسعى الى ارضاء العامة بسنّ قوانين جائرة على مجموعات بلادها الاتنية والدينية، ما ساعد على اقامة منطقة عربية – اسلامية تبدو يوما بعد يوم أكثر تجانسا، فيما تغيب عن الساحة هذه التنوعات الدينية والثقافية، وحين تطرح المسيحية سؤالها الكبير، أي مستقبل لأبنائها في الاوطان العربية – الاسلامية، يطرح مثقفوها سؤالا آخر عن امكان العيش في أنظمة لم تقبل حتى اليوم تشريعا آخر مدنيا يسوس الجميع بالعدل والرحمة والحرية.
لقد أخفقت المحاولات كلها في قيام أنظمة تحمي حقوق المواطنة وتراجعت بعض المحاولات الجريئة التي قام بها مثقفون متنورون من مسلمين وأرثوذكس وموارنة بعدما شعروا بأن المناخ غير مؤات، وأن الحديث عن حقوق الانسان في الشرق ملهاة وأضغاث أحلام.
إن أزمة التعايش الظاهر والخفي، والتغييرات المستجدة على الساحة المشرقية العربية – الاسلامية من ضمور للمسيحية وظهور موجات جديدة من الغضب تجاه الغرب وبالتالي تجاه المسيحيين، وكأنهم جاليات مهاجرة يضع الجميع أمام صورة قاتمة ويضع لبنان على المحك، لأنه يشكل الاختبار الاخير لهذا العيش والتعايش، ولأنه يشكل مخرجا مشرفا لكل الازمات الدينية والثقافية، فهل يدرك اللبنانيون، ولا سيما المسلمون، خطورة ما يحاك لبلدهم وللمنطقة؟ وهل بامكانهم اعادة ترميم البيت اللبناني بعدما أصبح المسيحيون فيه خارج الدولة وخارج الارض قسرا وترهيبا؟ سؤال على ضمير الاسلام والمسلمين.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé