مقالات مختارة

حتى يوجع العطاء بقلم المطران جورج خضر   09/10/2012

أن يأخذ الطفل الجديد ما يُعطى من طعام، ان يبتلع كل ما يستطيع فمه ابتلاعه، أن يلتهم كل شيء، هذا هو المنهج العادي في حياتنا اليومية. الأنا هي ما نريدها مركزًا للوجود. ما آكله يصير جسدي. ما أتعلمه يصبح عقلي أنا.
لست أريد بهذا ان الإنسان اناني كله أو انه مركز ذاته وليس فيه حركة الى الآخرين أو لا يرى نفسه منوجدا في الآخرين وبهم. الإنسان أيضاً عطاء وهذا يعني ان فيه قوّة الإنعطاف.

ولست هنا بصدد التحديد لمصدر العطاء عنده. نحن نقول ان هذا يأتي من الرب الساكن فيه أو ان هذا نعمة مجانية من فوق وان ليس للإنسان فضل في حسناته ليس بمعنى انه لا يجاهد ليكسب المحبة ولكن بمعنى انها، اساسا وانطلاقا، نازلة عليه "فبالنعمة انتم مخلصون". الخير الله مصدره أولاً لأنه هو المبادر وهو المحب ونحن ما استطعنا ان نحب الا بعد ان عرفنا انه هو الذي يحبنا وفهمنا اننا قادرون على أن ننشئ الآخرين بالمحبة لإحساسنا باننا محبوبون.
نحن لا نخلق الخير فينا. نؤتاه. اجل، نكافح انانيتنا لاستلامه. نستجيب للإلهام الإلهي فينا. استودع الإنسان حب الآخر. ومن الناس من استجاب بقوة وبنيت نفسه بهذه الإستجابة. فمنا من يستجيب بنفس يسوقها الله اليه بسرعة ومنا من يتعب كثيرا ليطوع نفسه لربّه. هذا تلاقٍ بيننا وبين الإله الحبيب وهو يعرف سر ذاته فترى نفسك منسابا اليه أو ترى نفسك مجرورا اليه بدفع منه كأنك غير مشتاق اليه.
هناك من يعشق الخطيئة عشقا صارما كأنّه يبيت فيها ويتآلفان كأنها خلقت معه وتحن اليه كما يحن اليها، وهناك من لا يود هذه الإلفة ولا يسعى اليها ولا يريحه الا صدمها لأن قلبه غدا مقر الرب أو عرشه. يحس بعض الناس انهم خلقوا على الفضيلة وكأنهم لا يجاهدون لكسبها وتشعر انت ان سواهم جبلوا بالرذائل جبلة رهيبة وان ربك فقط قادر على ان يزرع فيهم حضورا له يأنسون اليه قليلا أو لا يأنسون لكنهم تذكروا كلامه الذي يرن احيانا في مسامع قلوبهم ويوقظهم ايقاظا شديدا فتنسلخ هذه القلوب عن الإغراء لأن النعمة أمست أقدر فيهم من معاصيهم.

واذا لامستك النعمة أو استقرّت فيك فأغرتك وصرت لها عاشقا فلا يجذبك شيء آخر ويشدّك الرب الى لذائذه فتألف الألوهة فيك اذ تصبح منك أو تصبح منها واذا بك انسان نزل من فوق.
"في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي... وجدني الحرس الطائف في المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسي. فما جاوزتهم الا قليلا حتى وجدت فأمسكته ولم أرخه" (نشيد الانشاد 1: 3-4).
ما في البال من الايمان يقود الى المحبة اي الى طاعة الرب. لكنك انت تتقبل الايمان بالنعمة التي تنزل عليك فتدفعك الى ان تحب الله. انا لست أنكر أن محبتك له تترجم نفسها بحفظك وصاياه ولكن ان تعرف نفسك حبيبه هو الدافع الكبير الى طاعته.
ان تعرف نفسك حبيبا هو ان تعرف انك استلمت كل قوة الله على بذل نفسه. "هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل نفسه" (يوحنا 3: 16). الله معطى وليس فقط معطيا. هو على يديك أو تسلل الى قلبك. ماذا يعني يسوع بقوله: "ان أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه ابي واليه نأتي ونجعل فيه منزلا" (يوحنا 14: 25). اذا آمنّا بكلام يسوع هذا نفهم ان الله ليس فقط فوقنا أو علينا لكنه فينا. في هذا تكمن قدرة المسيحيين على تجاوز انفسهم الى الألوهة وان يكونوا في دوام الصعود. هذا صعب وقليل ولكن فيه وعدا ونحن امام هذا النداء حتى نصير منه.

بنعمة هذه الحقيقة نصبح قادرين على العطاء في هذه الدنيا اي ان نصير في الآخرين بالحب أو ان نصير الآخرين. فاذا لم تذهب الى الآخر لتتساكنا أو لتكون اياه لا تكون قد استقللت عن ذاتك. "من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (متى 16: 24). تنسلخ اذًا عن الأنا المنطوية والطاوية لتدخل اليك ذات المسيح. في أدنى الايمان تصبح معه بمعنى انك لا تريد ان تعرف ما هو لك وما هو له أو توقن انك لست بشيء وانك تصير اليه فمنه ولا ترى هوة بينكما الا لإيمانك بأن كلّ ما فيك من بهاء يأتي من رحمته. فاذا آمنت بأنك أخذت منه كلّ نعمة تصير قادرا على العطاء اي معبرا للنعمة. ما هو من بشريّتك البحتة ليس فيه شيء ليعطى. انت معطٍ ما أخذت والآخر يستلم ما انسكب عليك من فوق.
ان بشريّتك بحدّ نفسها تفهة. انت يؤلّهك ايمانك اي يصبّ فيك كل قدرة الله. انت توزّع هذه القدرة وتعرف ان ما يطلبه ربك منك ان تنسى بشريتك المخلوقة أو تتجاوزها لتعطي ما نزل عليك من الخالق اذ يبغي الله منك ان توزعه على أقرانك فانه ملكه وانت تعرف ان الناس يتلقونه بانعطافك عليهم ومشاركتهم هذا الكنز الذي انت مؤتمن عليه.
قد يوجعك ان يطلب الله اليك كل لحظة ان تعطي ذاتك فقد يوسوس لك الشيطان انك لست مسؤولا عن الناس بهذا القدر الذي عرفته من كتبنا المقدسة. رغبة الانطواء تقرع باب القلب احيانا. انها من الكبرياء. ولكن اذكر ان كل جمال فيك يأتيك من العلي وانك لا تملكه الا بوصفك أمينا له. انت في دوام الانسكاب حتى تنوجد بالرؤية التي يراك الله فيها. واذا شاهدت الناس يلتمعون بالنعمة تحس ان ربك وحده أعطى وهو وحده يختار ان يوزع حتى يصبح الآخرون امة الله في الكون اي الذين يحملون حضرته.
هذه هي السماء قبل ان يصعدنا الله من القبور.

عن النهار


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé