مقالات مختارة

الشتم بقلم المطران جورج خضر   16/10/2012

القتل جسدي أو معنوي. الشتم صورة من صور القتل. نبيد الآخر بإبادة جسده أو محقه أو سحقه أو نلغي كيانه الداخلي بالكلمة. واذا ظنننا ذلك نكون فقط قد محونا أنفسنا. في مرحلة من البغض المبتغى إزالة الآخر فإن لم نتمكن من ذلك أو لم نرد إزالته كليا نشطبه من الذهن أو من القلب ونقول هذا باللسان أو بالقلم.
هناك أوضاع لنا داخلية لا تبيح وجودنا مع وجود آخر. الثنائية تكون في القلب أو لا تكون وان تعترف بالآخر بكل مكوّنات عقله وسلوكه وتباينها وعقلك وسلوكك لأمر يحتاج الى جهد قد يكون عظيما. قبول الفروق بينك وبين الناس يعني انك تعايشهم على رغم الفروق والإقرار انك لست وحدك مالك الحقيقة.
أنت لا تعايش الآخر كما هو قائم. انت تعايش صورة له فيك واذا اهتزت الصورة تزول المعايشة. الحياة رقصة صور وهذا مصدر قلق الى ان تطلع عن هذا أو ذاك من الناس برؤية ترتاح اليها والرؤية عرضة للتغيرات لأنك تغير الرقصة أو تحسب انه هو غيّر رقصته.
ايقاعك الداخلي ليس دائما هو اياه. لبعض من الناس ولا سيما ان كانوا مزاجيين ايقاعات مختلفة. وان كنت على ايقاع داخلي واحد في الصبح والمساء تعطي جوابا واحدا ان سئلت وتبدو ثابتا وهذا قد يزعج لكنه شرط التعايش السليم. وكثيرا ما تتغير أجوبتك عن أسئلة الناس لأن قناعاتك ليست ثابتة ولأنك تراهم يتغيرون ولعلهم في الحقيقة لم يتغيروا لكنك انت ترى فيهم الصورة التي تريد ان ترى أو قادك مزاجك ان ترى.
وصعوبة التلاقي الحقيقي ان ثمة أمزجة راقصة وأمزجة غير راقصة وان هناك من يتوخى الحقيقة وهناك من يطلب نفسه ومنافعه ولذائذه. الحقيقة والانا المنطوية والطاوية لا تلتقيان اي ان في الدنيا قاتلا وقتيلا أو مشروع قتيل. هناك من انوجد بايمانه أو قناعاته وهناك من انوجد بتقلب احواله.

***

لماذا يتقلب هذا ولا يتقلب ذاك؟ الجواب البسيط ان ثمة من يؤمن بثبات الحقيقة ومن لا يؤمن بثبات الحقيقة لكونه بنفسه كما استلم نفسه من الوجود ولا يعرف ان لها مرجعا وهو الاله الثابت بذاته. قد لا ينكشف له الله بوجهه لكنه يربط كيانه الداخلي بحقائق قائمة بذاتها ولا تؤثر فيها منفعة من الدنيا أو من الوجاهة أو من الطائفة أو من الحزب. اي هناك من أقام في الحقيقة ويسلم لها وحدها وهناك من أقام في انفعالاته أو منافعه وكبرياء يظنها إسلاما للحق.
انسان كهذا موقن ان ما فيه من حق هو اياه الذي يجعل كل انسان قائما في الحق. لذلك يكافح بإصرار لمدّ كل الناس به لحرصه على استقامتهم ولبسهم درع الخلاص وخوذة البرّ. هذا يحمل الإلهام الإلهي ولبقاء هذا الإلهام فيه يجاهد ولسبب من إصراره على الحق يقابله ضعفاء الايمان بالشتم وقصدهم العميق ان يقتلوه أو يصفعوه والشتم الغاء مع صورة المحافظة على جسد الآخر. اما محبو الحقيقة فينتظرون اهتداء الناس جميعا وان يصلوا الى الحقيقة ولا ينضبون ولو تألّموا.
الذي لا صبر له على الحقيقة وان تنتشر يستخدم لسانه ليزيل الآخر. “هكذا جعل في اعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله ويضرم دائرة الكون ويُضرم من جهنم” (يعقوب 3: 6). ويتابع الرسول كلامه عن اللسان: “به (اي باللسان) نبارك الله الآب وبه نلعن الناس الذي قد تكونوا على شبه الله”.
يتابع يعقوب قوله إن التصرف الحسن في وداعة الحكمة وهي تطلب الآخر حبيب الله وانت عليك ان تحفظه في هذه المحبوبية لا ان تميت نفسك وتميته بالشتم اذ لا يبقى فيك وجه الآخر ان انت قتلته بالكلام البذيء الذي لا يخرج الا بالغضب.
اذا أعطاك ربك الصبر فأنت في حالة انتظار. كل الرجاء انتظار لأن ربك سوف يأتي لأن الله حركة اليك والى الآخر برجائك.
هذا موقف قد يجعلك في عزلة. الهدوء دائما عزلة عن البشر. انه اجتماع الى الله لكنك ان احببته تؤثر عشرته على عشرة الغاضبين وحسبك هو وإقامته فيك حتى تقيم الهدأة في قلوب من هم حولك.
لا مهرب لك من تحزبات الناس الا ايمانك بأن ربك يكفيك وبأنك رسوله الى من طلبه ومن لم يطلبه. انت لست وحدك ان استعصمت به. انه هو معطيك قوته لاستمرارك في فضله عليك. لازم نعمته عليك. لست في حاجة الى رضاء الناس. الايمان هو ان تسترضي الله فقط قبل الناس بذلك ام لم يقبلوا.
ولكن حذارِ ان تدنس لسانك. ان عففت به عن الشتم سبيلك الى حسنات كثيرة فيك. عفة اللسان الكاملة نتيجة لرفع الغضب الداخلي عنك وان تجعل ربك ينطق بك.
لا تتكلم الا بعد صبر ومن أجل البنيان. أنت لست مدافعا عن نفسك. أنت مفوض الحقيقة في الكلمة وفي السلوك. اخضع لمن هداك وبلغ مشيئته. ان كنت على هذه الطاعة يعصم لسانك من الزلل ويعصمه من غضب الشتم ليبقى موطن مباركات ما دمت حيا.

عن النهار


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé