مقالات مختارة

السير خلف السياسيين مثل القطعان بقلم اوكتافيا نصر   17/10/2012

إحدى قراءاتي المفضّلة التي أتذكّرها من المدرسة الابتدائية قصّة "خراف بانورج"Les Moutons de Panurge. كنت في التاسعة من عمري عندما سمعت القصة للمرة الأولى في الصف، وأصغيت إلى معلمة اللغة الفرنسية تشرح بلهجة جدّية جداً "العبرة من الحكاية".
إنها قصّة رجل على متن مركب صادف مركباً آخر على متنه تاجر خراف مع قطيعه. عندما اشترى الأوّل خروفاً ووجد ثمنه باهظاً جداً، سعى إلى الانتقام. فرمى الخروف في البحر، مما حدا كل الخراف الأخرى على متن المركب الثاني إلى إلقاء نفسها في البحر حتى صارت كلها في المياه.
مراعاةً لضعفاء القلوب، لا تقول الرواية، كما أتذكّر، إن الخراف نفقت كي يُترَك للأولاد مجال للتفكير في ما يمكن أن يكون قد حل بالخراف الغارقة. كان هناك أمل دائماً في قلبي بأن أحدهم في مكان ما سيهبّ لنجدة كل الخراف بعدما تعلّمنا جميعنا الأمثولة من النص، وأعدنا تلاوتها فاستحوذنا على رضى السيدة كلوتيلد.
أتذكّر أنني ضحكت كثيراً لتخيّل مشهد الخراف تسقط الواحد تلو الآخر، وتصرخ وتثغو بالوتيرة الرتيبة نفسها فيما تخرج من المركب وتلقي بنفسها في البحر. حتى الآن لا أزال أتخيّل خروفاً يركض نحو حتفه مثل الخروف الذي سبقه وتتوالى الخراف وصولاً إلى قائد القطيع.
لم تجد السيدة كلوتيلد الصارمة الرواية مضحكة على الإطلاق. فقد شرحت لنا أن العبرة من القصّة هي أن الخراف لا تتمتّع مطلقاً بالذكاء، وتمشي مغمضة العينين خلف الخروف الذي يقود القطيع حتى لو كان يسير بها نحو الهلاك المحتوم. تعطينا القصة عبرة عن "السير مثل العميان" خلف أشخاص أو قضايا معيّنة. لا أزال حتى يومنا هذا أعيش بحسب العبَر التي تعلّمناها من ذلك النص القصير. كانت السيدة كلوتيلد لتفتخر بي. لا تتصرّفوا مثل الخراف، لا تقلِّدوا الآخرين من دون سبب وجيه، كونوا مشكّكين، واطرحوا علامات استفهام عن دوافع الأشخاص قبل أن تقفوا في الصف خلفهم. اسأل نفسك "هل أنتمي إلى هذا المكان؟" اسأل الآخرين وتحدّاهم قبل أن تقفز!
في قصة "خراف بانورج"، عندما بدأت الخراف تلقي بنفسها في البحر، لم يعد في الإمكان ردعها على رغم من الجهود التي بذلها الراعي. لقد تقدّمت نحو الانتحار الجماعي على وقع الثغاء المغفّل، وسارت نحو الموت شهيدةً لغباوتها الجينية وافتقارها إلى التبصّر. لقد لحقت مسرعةً بصف من الخراف المتساقطة في البحر، كأنها لا تريد أن يفوقها قائدها والخراف الأخرى حماقة.
في الآونة الأخيرة، أفكّر في نقاط التشابه بين هذه الحكاية القديمة وواقعنا الحالي. يعاملنا الزعماء كأننا خراف، ويحاولون التحكّم بنا كما يشاؤون. كثرٌ يسيرون خلفهم بطريقة عمياء، ويثغون ويصرخون بحماسة فيما ينحدرون نحو الأسفل. يُحزنني أنهم لا يعلمون مطلقاً إلى أين يُقتادون أو ما هو هدف ذلك. وينظر إليهم الآخرون من بعد، ويحاولون التدخّل مثل الرعاة الصالحين، إنما بلا جدوى. فالقطيع يصدر ضجيجاً عالياً، كما أنه لا يتزحزح عن الصف الأعمى، ولا شيء آخر يهمّه. فهم لا يبالون على الإطلاق بمن يحذّرونهم أو يقولون لهم إنهم يقفون في الجانب الخطأ من التاريخ.
"الأتباع" المنصاعون الذين لا يسمّون الممارسات الخاطئة أو التجاوزات أو العنصرية بأسمائها، هم تماماً مثل "خراف بانورج". الفارق الوحيد هو أنه لا يمكن لوم الخراف لأنها تفتقر إلى الذكاء منذ ولادتها، ولم تتخلَّ عنه مع مرور الوقت!


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé