مقالات مختارة

مسيحيو الشرق: أقلية أم جزء من الغالبية العربية بقلم رولا فاضل   17/10/2012

هاجس جوهري بدأ يلامس وجدان العقل العربي المسيحي منذ فترة وبدأ يتحول الى شبه حقيقة في عقول البعض منهم... هذا الهاجس ظهر مع الأسف بعد مرور ما يقارب العامين على فورة الربيع العربي واندلاع ثورات الشعوب العربية ضد الظلم والاستبداد والأنظمة المهترئة. هاجس مصير المسيحيين أو الأقليات المسيحية في الشرق بدأ يتغلغل في نفوس وعقول ووجدان غالبية المسيحيين العرب في الفترة الأخيرة بعد ما جرى من أحداث في هذا الشرق الذي كان يشكل فيه المسيحيون جزءاً لا يتجزأ
من الشعوب العربية؛ فهم ساهموا في نهضة الحضارة العربية وكانوا مع العرب جميعاً رواداً في نشر فكر العروبة والقومية العربية، كما كانوا في طليعة قادة التنظيمات التي تصدّت لكل الهجمات والاحتلالات، بدءاً من مشاركتهم في الفتوحات الإسلامية ضد الفرس والروم وحروب الفرنجة، اضافة الى دورهم القومي البارز إبان الاستعمار العثماني ثم الغربي وصولاً الى مشاركتهم في التصدي للهجمة الصهيونية في فلسطين منذ بداية القرن العشرين الى الثورة الفلسطينية الحديثة.
وُلد الهاجس أو الوعي العربي المسيحي كما يسميه البعض بعد تصدر الاسلاميين المشهد السياسي في بلاد الربيع العربي وفوز حزب النهضة الاسلامي بـ 90 مقعدًا، وهو ما يساوي نسبة 41 في المئة في انتخابات المجلس التأسيسي التونسي، ووصول الإسلاميين أيضا لصدارة الحكم في ليبيا بعد إسقاط القذافي و فوز حزب العدالة والتنمية بـ 80 مقعدًا في الانتخابات التشريعية المغربية وتصدّر الأحزاب الإسلامية المشهد المصري بشكل قوي، حيث فازت الأحزاب الاسلامية مجتمعة بنسبة 65 في المئة، وهي نسب تدل على قوة التيار الإسلامي وتزايد شعبيته في بلاد الربيع العربي. فبعد أن كان الشارع المسيحي يشكل جزءاً من هذا الربيع وبعد أن كان يحلم الشباب المسيحي بالانقلاب على الطغيان السياسي والفساد بكل أنواعه وأشكاله وبعد أن كان يطمح برفع الغطرسة القمعية التي أهدرت كرامة المواطن، نرى جزءاً كبيراً من المسيحيين العرب اليوم يخطون خطوات الى الوراء. فنراهم امّا يساندون النظام في سورية بشكل أو بآخر امّا لم يحددوا أو بشكل أصحّ لم يظهروا موقفهم من الثورة السورية بعد.
كذلك خلال الانتخابات الرئاسية المصرية، فقد صوّت عدد كبير من المصريين الأقباط لأحمد شفيق وهو آخر رئيس وزراء في عهد حسني مبارك أي أنه من فلول النظام الذي قامت الثورة المصرية للقضاء عليه. لماذا توجهت أعداد كبيرة من المصريين الأقباط للاقتراع لأحد فلول النظام بعد أن كانوا قد ثاروا للقضاء عليه لأنهم كانوا يعتبرونه نظاما ً «متغطرسا ً ديكتاتوريا ً فاسداً؟».
لماذا يخاف المسيحيون السوريون من مساندة الثورة ضدّ نظام الأسد «المتغطرس، الديكتاتوري، الفاسد؟».
هل يرفض المسيحيون في سورية الثورة ضد النظام حبا ً بهذا النظام الذي يقف العالم أجمع ضده و تدينه جمعيات حقوق الانسان لما قام به بحق شعبه؟ أم يرفض المسيحيون السوريون أن يثوروا خوفاً من بطش أجهزته عليهم اذ انهم أقلية في البلاد ويقول البعض انّه من الطبيعي لأقلية في أي بلد كان أن تخشى قوات نظامها ان تمرّدت.
أودّ أن أقول لمن يتساءل عن سبب وقوف المسيحيين في سورية الى جانب النظام أنّه من الاهانة والعار أن نعتقد أن المسيحيين يتخذون هذا الموقف خوفاً من بطش النظام حتى ولو كانوا أقلية في البلاد؛ فالمسيحيون العرب ليسوا جبناء فهم أثبتوا قدرتهم على الثورة والتصدي للظلم والفساد على مرّ التاريخ.
أما اذا سلّمنا جدلاً انّ المسيحيين
يقفون وقفتهم هذه مع النظام السوري
حباً بهذا النظام، فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا يحبّ المسيحيون النظام السوري؟ هل لأنهم يشعرون بأمان وحماية من قبل النظام أم أنهم يشعرون بالقلق بشأن تولي التيارات الاسلامية السلطة كما حدث في معظم بلدان الربيع العربي خصوصا في ظلّ تأييد الغرب لهذه التيارات الاسلامية و تنميتها؟
ما يحدث في بلاد الربيع العربي هو أكبر من تسليط الضوء على أقلية مسيحية تساند أنظمتها خوفا ً من البديل؛ فتيارات الحداثة والعلمانية والليبرالية على اختلاف أديان المنتسبين اليها وطوائفهم بدأت تقلق وتتريّث في اتخاذ مواقف واضحة بشأن دعم الثورات أو دعم الأنظمة؛ المسيحيون العرب ليسوا الفئة الوحيدة في هذا العالم الذي يتخبط بين الأنظمة والثورات
التي تقوم ضدّها، فالمسيحيون العرب
هم جزء صغير من الغالبية العربية التي
بدأت ترتاب من سيطرة التيارات الاسلامية وتقلق من الخطاب الغربي الذي يدعو الى «ضرورة القبول بما تفرزه العملية الديموقراطية من تولّي الإسلاميين الحكم في المنطقة العربية». فتيارات الاعتدال والليبرالية والعلمانية تزداد شكاً وريبةً
من أهداف الغرب وسياسته الجديدة القائمة على تنمية التيار الاسلامي كما حدث في تونس من دعم أميركي - أوروبي لحزب النهضة وللاخوان المسلمين في مصر وللتيارات الاسلامية في ليبيا وسورية... فـ «الاسلام المعتدل» الذي يهيمن على دول ثورات الياسمين والذي «يغلّف التطرف الاسلامي» كما يراه البعض وعلاقة هذا الاسلام بالغرب بدأ يخيف شباب الثورة الحقيقيين الذين كانوا يحلمون بحريةٍ حقيقية و ليس بنوع آخر من أنواع التسلط والديكتاتورية.
ومن هذا المنطلق، الهاجس الجوهري لم يلامس فقط الوجدان العربي المسيحي بل بدأ يلامس بعمق أيضا ً وجدان العقل العربي الاسلامي الليبرالي العلماني المعتدل.

عن جريدة الرأي


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé