مقالات مختارة

عبور الإحباط الأرثوذكسيّ ونكد الدنيا - الأب جورج مسّوح - النهار   06/10/2011

تشكّل الرسالة التي وجّهها المجمع الأنطاكيّ المقدّس إلى "أبنائنا" الأرثوذكسيّين في بداية الحروب اللبنانيّة، بصفتها صادرة عن أكبر مرجعيّة في الكنيسة الأنطاكيّة، نوعًا من الإرشاد المجمعيّ. هذه الرسالة، الصادرة في 24 آب 1975، تعيد التذكير بالتاريخ المشترك الذي يجمع الأرثوذكسيّين مع مواطنيهم من الملل كافّة، وتصوغ رؤية لما يمكن أن يكون دورهم في المستقبل. تدعو الرسالة إلى الكفاح في سبيل إلغاء الطائفيّة، وإلى إسناد الوظائف على أساس الكفاءة وليس على أساس طائفيّ.
وفي خضمّ الحروب الطائفيّة المستعرة آنذاك، تؤكّد الرسالة ذاتها أهمّيّة العيش المشترك ما بين المسلمين والمسيحيّين، وترفض "كلّ تراصّ مسيحيّ وكلّ كيان مسيحيّ للبنان". لذلك تعلي الرسالة شأن الأرثوذكسيّين الذين "تنكّروا لإنشاء تشكيلات طائفيّة أو أن يكون هناك حزب أرثوذكسيّ". كما تشيد الرسالة أيضًا بوعي الأرثوذكسيّين الذين "حملوا مع مواطنين آخرين مشعل التحرّر القوميّ (العربيّ) منذ القرن الماضي (القرن التاسع عشر)"، ولا تغفل الالتزام بقضيّة فلسطين والقدس وبـ"الولاء غير المشروط للبنان". وفي هذا السياق يؤكّد المطران جورج خضر، أحد واضعي الرسالة المجمعيّة، هذه المواقف الجريئة، فيرفض أن يكون المسيحيّون كتلة واحدة ضدّ المسلمين، "لأنّ المسيحيّين، وفق قوله، هم كتلة المحبّة لا كتلة طائفيّة"، وأيضًا "حضورك ليس إزاء المسلمين بل مع المسلمين". ويقول هو نفسه في موضع آخر "ليس مسيحيّ في العالم العربيّ يزداد عمقًا في معرفة المسيح أو تقوى مساهمته في سياسة بلده لمجرّد تبوّؤ المسيحيّين أو فئة منهم سدّة الحكم في لبنان".
يبدو أنّ هذه المواقف الكنسيّة الأرثوذكسيّة المناهضة للطائفيّة باتت لا تناسب فئة من السياسيّين أو من المهتمّين الأرثوذكسيّين بالشؤون السياسيّة. ويتغافل هؤلاء عن فشل كلّ الحلول الطائفيّة، أو تلك القائمة على التحاصص الطائفيّ منذ ما قبل نشوء لبنان المعاصر إلى يومنا الحاضر. ولم تؤدِّ هذه الحلول إلاّ إلى إحباطات متنقّلة من طائفة إلى أخرى، وإلى نذائر حروب آتية لا ريب فيها ولا شكّ. فهل وصل الإحباط بالأرثوذكسيّين إلى حدّ التنكّر لحضورهم وشهادتهم في لبنان؟
هل تخلّى الأرثوذكسيّون، أو مَن انضوى منهم في تجمّعات طائفيّة، عن فرادتهم وحداثتهم لصالح الاصطفاف الطائفيّ، فصاروا دعاة كانتونات طائفيّة، أو دعاة فيدراليّة طائفيّة مبطّنة، من دون جغرافيا محدّدة؟ أليس في الدعوة إلى أن تنتخب كلّ طائفة نوابها نوعًا من العودة إلى الكانتونات المتنافرة المنافية للفكرة الوطنيّة الجامعة؟ أليس في هذه الدعوة تنكّر لموقف البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم الرافض "لمبدأ الكانتونات"؟ أليست هذه الدعوة تناقض ما ذهب إليه المطران جورج خضر حين قال: "إنّ نضال المسيحيّين هو ألاّ يظلّوا حارة النصارى في دنيا الإسلام، بل أن يصبح الجميع مواطنين في أوطان، متساوين في الكرامة بحيث لا يبقى فضل لأحد على أحد في الوجود والحرّيّة"؟.
اقتراح بعض الأرثوذكسيّين، ومَن أيّدهم من أصوليّي الفكر الطائفيّ الفاقع، هو اقتراح يناقض أهمّ أسس المواطَنة، ويخالف الفكر الكنسيّ الأصيل. يقول البطريرك هزيم: "إنّ واجب الأرثوذكس الأساسيّ أن يكونوا جسر الوفاق". فلماذا يسعى بعضهم إلى نسف هذا الجسر؟


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé