مقالات مختارة

عن التغيير الماروني الجذري - سعد كيوان - النهار   10/10/2011

طرح التغيير في رأس الكنيسة المارونية، وخصوصاً المواقف الاخيرة التي أعلنها البطريرك الجديد، سلسلة تساؤلات حول المعطيات والظروف التي انتجت ما بات يعتبر تحولاً جذرياً في موقع الكنيسة المارونية.

يوم 15 آذار الماضي، أي غداة 14 آذار الذي تحول محطة تاريخية ومفصلية في تاريخ اللبنانيين، انتخب المطران بشارة الراعي ونصب بطريركا للموارنة على انطاكية وسائر المشرق، ليخلف بطريركا بحجم وهالة نصرالله صفير الذي ترك بصماته على تاريخ لبنان الحديث. علما ان الراعي انتخب اثر تقديم صفير استقالته رغم ان بطريرك الموارنة يقيم عادة في منصبه مدى الحياة.
يومها قيل كلام كثير، وتسربت معلومات مختلفة ومتضاربة عما دار في تلك الخلوة الانتخابية في بكركي، وكيف جرت عملية الانتخاب، والتنافس الذي دار بين المرشحين، لم تؤكد أو ترجّح كيف برز الراعي كـ"مرشح قوي" او "مرشح تسوية"... غير ان ما ظهر من مؤشرات قبل ذلك التاريخ، وبالأخص ما حصل بعده يوضح ربما الهدف الأساس من عملة التغيير الجذرية في رأس الكنيسة المارونية، أهم كنيسة في المشرق العربي.
السؤال-المعطى الأول هو لماذا استقال صفير، بطريرك السيادة والاستقلال الثاني؟
المعطى الثاني، لماذا سارع الراعي فور انتخابه، وقبل تنصيبه رسميا، الى الاعلان في كلمته الاولى عن استعداده لزيارة سوريا رغم عدم حصول معطيات جديدة، سوريا التي لم تطأ قدمي صفير أرضها طوال فترة جلوسه لخمسة وعشرين عاما على كرسي انطاكية، ولا من سبقه من البطاركة؟
المعطى الثالث، ما هو الدور الذي لعبه الكاردينال لياندرو ساندري رئيس مجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان في عملية الانتخاب، ولماذا أكثر ويكثر من زياراته الى لبنان؟ هل ان اختيار الراعي حسم قبل فترة، وتحديدا على هامش الاحتفال الذي رعاه البابا بينيديكتوس السادس عشر برفع تمثال مار مارون في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان بمشاركة وفد لبناني رفيع من رجال دين وعلمانيين رأسه البطريرك صفير؟
راح البطريرك الجديد يطلق تصاريحه شبه اليومية، ويجول لبنان من الشمال الى الجنوب، من الجبل الى الساحل، يخرج من بكركي ليزور مدنا وقرى لم تطأها قدما أي بطريرك من قبل، محاولا تقديم وجه جديد واضفاء طابع "حداثة" و"عصرنة" على راعي الكنيسة المارونية، أي نقيض صورة صفير "المتقشف" والقابع في الصرح والمقل في الكلام. "خروج" الراعي هذا بدا وكأنه محاولة فاتيكانية مقصودة و"مستنسخة" عن صورة بابا روما لتغيير، او أقله، لتعديل صورة بطريرك الموارنة و"انزاله" الى الناس، جاهلين، او على الأقل، متجاهلين ان بطريرك الموارنة في لبنان ليس رأس الكنيسة ومرجعا دينيا فقط، وانما هو ايضا وتاريخيا موقع ومرجع وطني بامتياز.
يتكلم الراعي عن ضرورة "توحيد الصف المسيحي" و"وضع حد للشرذمة" عبر جمع القادة الموارنة تحت سقف بكركي. يطالب بعقد اجتماعي جديد لحفظ و"صون حقوق المسيحيين في الدولة"، والى ما هنالك من شعارات جذابة وشعبوية عند قطاع عريض من المسيحيين. هنا أيضا بدا وكأنه يسجل على سلفه عدم سعيه لتوحيد الصف المسيحي، وانحيازه لفريق ضد آخر، كما ان مطالبته ب"عقد اجتماعي" جديد قرأها أكثر من طرف وجهة على انها سعي لتجاوز او تعديل "اتفاق الطائف" الذي يقضي بالمناصفة بين المسيحيين والمسلمين، والذي كان صفير يصر على تطبيقه.
غير ان المفاجيء والمثير في آن واحد، والذي يقرب أكثر الصورة من الهدف الذي انتخب الراعي من أجله هو ما راح يطلقه من مواقف وتصاريح حول "الربيع العربي" وتحديدا الانتفاضة السورية التي تعني لبنان بشكل مصيري ومباشر. فقد اعتبر بطريرك لبنان، أرض الحرية، ان الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ما هي الا مجرد تنفيذ ل"مشروع الشرق الاوسط الجديد" الذي يهدف الى تفتيت دول المنطقة الى دويلات طائفية وتأجيج الصراع المذهبي فيها. كلام الراعي هو طبعا سياسي بامتياز، ولكن عندما يواجه بانتقادات لمواقفه هذه "ينكفئ" قائلا ان الاعلام "حرّف" مواقفه و"اجتزأها"، وان اهتماماته وهواجسه هي راعوية فقط وليست سياسية، وهو ليس رجلا سياسيا... ولكن كلامه ليس ارتجاليا، ولا يعبر فقط عن وجهة نظره الشخصية. وقد أكد عشية سفره الى الولايات المتحدة ان مواقفه تنسجم مع توجهات الفاتيكان، وهذا صحيح الى حد بعيد، اذ انه لم يصدر عن دوائر الفاتيكان أي تعليق رسمي على مواقفه أو نفي لما جاء في تصريحاته، وبالأخص عن سكريترية الدولة (وزارة الخارجية). وهذا يعني باللغة الديبلوماسية ان مواقفه تحظى برضى ولو ضمني، وربما يشكل الخبر الذي نشرته جريدة "الاخبار" أخيراً، وتلقفه وقام بنشره موقع المركز الكاثوليكي للاعلام، عن ان الفاتيكان طلب من امين عام الامم المتحدة بان كي مون استقبال الراعي في نيويورك تمهيدا لتعيينه ممثلا للفاتيكان في الشرق الاوسط، مؤشرا على موافقة الكرسي الرسولي على ما يطرح من مواقف. علما ان ليس هناك اجماعا او وحدة في الرؤية لدى المعنيين والمشرفين على الملف اللبناني، كما تؤكد لنا مصادر مطلعة من داخل الكرسي الرسولي، وان هناك شخصيات نافذة مستاءة من هذه المواقف المنحازة للنظام السوري.
ان أختيار الراعي بطريركا قد خُطط له بعناية بهدف اجراء تعديل في ثوابت بكركي وخياراتها وأولوياتها، عبر التنكر لنهج صفير، وتحديدا الانفتاح على "حزب الله"، وعلى النظام السوري كما أعلن الراعي نفسه لحظة انتخابه.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé