مقالات مختارة

المسيحيون بين التجريم والتبرير!   24/01/2013

ميشال ابو نجم

منذ انطلاق الثورة السورية، ساد في أوساط عربية ولبنانية، منطق بالغ الخطورة تجاه مقاربة فئات مسيحية واسعة للصراع في سوريا. هو منطق تجريمي للمسيحيين، وتبريري للحركات الإسلامية المتشددة.
في التجريم، وضع أصحاب هذا المنطق المسيحيين السوريين واللبنانيين الذين لم يؤيدوا الثورة السورية أو نأوا بأنفسهم عنها، في مصاف «القَتلة» والمشاركين في القمع، و«الرجعيين» الذين يرفضون قيم الحرية والديموقراطية و«الربيع»، في حين يذهبون هم إلى «خريفهم».
إنّ هذا الخطاب ناقص وظالم لأسباب كثيرة:
أولاً، هناك تجاهل لتجربة المسيحيين المشرقيين التاريخية التي استنفدت ما لديها من خيارات لحل إشكالية المساواة في المنطقة والحفاظ على الدور المسيحي، ما جعل قضية المسيحيين في الشرق في يد المسلمين ونخبهم الحاكمة أولاً، كما أشار إلى ذلك الزميل أنطوان سعد في كتابه الأخير «بقاء المسيحيين في الشرق خيار إسلامي»، وبالتالي فإنَّ تأييد النظام السوري أو المعارضة ليس الفيصل في قضية الدور المسيحي، والمثال العراقي خير دليل. إذ أن تأييدهم للنظام البعثي، لم يَحُل دون استهدافهم من قبل فئات تعمل في مناطق مؤيدة ومتعاطفة مع النظام السابق.
ثانياً، يظلم هذا الخطاب المسيحيين بإلباسهم لبوس «الاستبداد» والتناقض مع القيم التي كانوا من رافعي رايتها كالحرية والديموقراطية والليبرالية والحداثة وحقوق الإنسان. ذلك أن المسيحيين كانوا تاريخيا مع أي حراك في المجتمع يكون حاملاً لهذه القيم، وبالتأكيد لن يكونوا ضد أي نظام أو مستقبل سياسي يحقق المساواة بضماناتٍ دستورية ويكرِّس احترام التنوع والاعتراف بالآخر المختلف. لكن عندما خيّروا بين سلطويةٍ سياسية وأخرى دينية متشدِّدة، عندها يصبح مفهوماً أن يختاروا تحييد أنفسهم أو تأييد ما هو قائم، خوفاً من المجهول الآتي بأشباح التكفير المسكوت عنه.
ثالثاً، تتجاهل هذه المقاربة «التجريمية» الهواجس المحقة لمسيحيي سوريا والمشرق عموماً من صعود الحركات المتشددة إما صراحةً وإما تلك المتوسلة «الباطنية» و«التمكين»، وهم يتشاركون هذه الهواجس مع شركائهم في الوطن المؤمنين بالقيم الليبرالية. فكيف يمكن أن يؤيد المسيحيون معارضة تدافع عن «القاعدة»، كما صدر عن رموز المعارضة السورية ممن دافعوا علنا عن «جبهة النصرة»؟.
من جهةٍ أخرى، ترافق هذا الخطاب التجريمي مع خطاب «تحقيري» و«تقريعي» لفئات مسيحية واسعة في الجانب اللبناني وعلى رأسها البطريركية المارونية، بسبب تمسكها بالتوازن في السلطة السياسية وآليات تحقيق هذه المشاركة وفي طليعتها قانون الانتخاب، والنأي بالنفس عن الأزمة السورية بعيداً عن تطاحن إقليمي ودولي محرق. وذلك على اعتبار أن هذه القضايا «صغيرة» و«ضيقة»، ولا بد في المقابل من الإلتفات إلى القضايا «الكبيرة» والمسار التاريخي في العالم العربي، وسيلةً لتفعيل الدور المسيحي الآتي على صهوة الالتحاق بمحور من المحاور المتصارعة.
ان هذه القراءة تتجاهل كل ما حصل منذ التسعينيات من الفئات الحاكمة التي اقترعت على ثوب المسيحية السياسية اللبنانية، واستمرار هذا النهج بعد الـ2005 بدءاً من «التحالف الرباعي».
هذا في «التجريم»، أما في التبرير فالتداعيات أخطر بكثير.
لا بد بداية من الإشارة إلى منح الحركات الإسلامية ورقة ثمينة بالتهليل لوصولها عبر صناديق الاقتراع و«الديموقراطية». فقد تم تجريد هذه «الديموقراطية» من كل موجباتها الأساسية وخاصة في المجتمعات المتعددة، من إدارة التنوع في شكل ناجح والاعتراف بالآخر المختلف وصيانة الحقوق والحريات، إلى المشاركة في صياغة الدساتير في المرحلة الانتقالية.
صحيح أن «الإخوان المسلمين» وصلوا عبر «الديموقراطية»، لكن ذلك قد يقود إلى نظامٍ سلطوي آخر ماضوي! في هذا السياق، تمّ استخدام المبررات الغربية للحركات الإسلامية بوفرة، عن «اعتدالها» وعن نموذج تركي تحتذي به، باستسهال يغفل المقارنة بين المجتمعات العربية وبين مجتمعات حديثة ومزدهرة كالمجتمعات التركية والماليزية والإندونيسية!
خطورة الخطاب التبريري التشويهي أنه يحيل الحالة الإسلامية المتشددة إلى مراحل قصيرة المدى ويختصرها بعوامل «مساعدة»، مثل قمع الأنظمة السلطوية ومن بينها النظام السوري، أو يعيدها إلى صعود القوة الإيرانية الشيعية إقليمياً و«حزب الله» وسلوكه. والخطِر أيضاً هو تحميل المسيحيين المشرقيين مسؤولية نهج وفكر تكفيري متشدد نشأ في دول بعيدة عنهم وبمعزلٍ عنهم.
لقد نشأت الحركات الإسلامية وأبرزها «الإخوان المسلمين» في زمن لم يكن «حزب الله» حاضرا فيه ولم تكن إيران الثورة الاسلامية موجودة، ولم يكن المسيحيون قد اتخذوا موقفاً من أزمة هنا أو صراع هناك. لا بل أن «الإخوان» و«أشقاءهم» انطلقوا من صدمة سقوط الخلافة العثمانية الإسلامية الجامعة في العام 1924، والخوف على الهوية من «التغريب». يقول أحمد معاذ الخطيب عام 2007 عندما كان رئيساً لجمعية «التمدن الإسلامي» العريقة ذات الطابع الدعوي السلمي، في الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيسها: «إن رحلة التمدن الإسلامي... ابتدأت أوائلها عندما سقطت البلاد بيد المحتل الفرنسي... ثم سبّب انهيار الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة الإسلامية... قلقاً شديداً وأحدث زلزالاً مدوياً... كان انهيار الدولة العثمانية إيذاناً بمرحلة جديدة لا بد من التصدي لها».
صحيح أن تعاظم القوة الشيعية الإقليمية بعد انتصار الثورة الإيرانية وسقوط صدام حسين قد أثار المخاوف، لكن ذلك وغيره لا يكفي لتفسير وتبرير التكفير والتشدد. والمسيحيون ليسوا مسؤولين عن مسار المواجهة مع الحداثة وتعاظم التشدد رمزاً بعد رمز للحالة الإسلامية من محمد رشيد رضا إلى حسن البنّا وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب والقيادات «القطبية» في «الإخوان»، ولم يكونوا ضالعين في توزيع البترودولار على «المدارس» وفي شبك التحالف بين التطرف العربي والجهاز العسكري الباكستاني في أفغانستان، وهم بالتأكيد ليسوا مسؤولين عن أزمة الهوية التي صنعت كل هذا الجيل من المتشددين من القاهرة الى بيشاور. الكرة ليست عندهم مهما كان موقفهم مما يحصل في سوريا وهي بلادهم وموطنهم، بل في ملعب الإصلاح الديني الذي تدعو إليه قيادات إسلامية عديدة.
إن أسوأ مظاهر الانقسام اللبناني ومنه المسيحي تقديم القراءات الاختزالية لمسارات مجتمعية وثقافية في العالم العربي، قد تكون بالغة الخطورة على المسيحيين وشركائهم في المواطنية أيضاً.


([) كاتب وصحافي

 

عن السفير


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé