مقالات مختارة

قليل من الإيمان والشجاعة نبني لبنان من جديد بقلم الاباتي بولس نعمان   06/02/2013

في محاضرة عن "تجديد النظام اللبناني" في كلية العلوم السياسية في جامعة اللويزة، طُرح عليّ سؤال عن أسس الكينونة اللبنانية الا تزال صالحة؟
فأجبت بدوري بسؤال: هل الكينونة اللبنانية كانت بناء عاديا لوطن عادي؟ ام هي بيت، شيدته الارادات الصلبة للحرية والعيش الكريم؟ ونسجته خيطا بعد خيط، كما ينبي العنكبوت بيته، يبني فيهدمون، ثم يعود فيبني من جديد، الى ان يتحقق الهدف!
استعيد هذه الافكار في مناسبة المجادلات حول المشروع الانتخابي الجديد. ما الاصلح للبنان الغد، هل المشروع الارثوذكسي ام النسبي ام الاكثري؟
لبنان الغد، كما اؤمن، وكما نأمل ان يكون، من الضروري ان يبقى على صورة لبنان الاساس، موطنا للانسان كل انسان يريد العيش بكرامة وحرية.
فالارض اللبنانية، قبل نشوء الوطن، لم تكن خالية، بل كانت تقطنها جماعات متعددة، ولكن منفصلة ومغلقة الواحدة عن الاخرى، تعيش كل واحدة منها حسب نظامها الخاص، تحت "ولاية" سلطة بعيدة عنها، وكان هم هذه السلطة تحصيل الضرائب والرسوم من الجميع، الى أن قدّر الله لها حكاما محليين منفتحين على التقدم والعيش بكرامة، امثال فخر الدين وآل شهاب، وشعبا ينشد الحرية والعمل المنتج وكانوا بأكثريتهم من المسيحيين.
تجاوبت هذه الارض مع هذا الشعب، وبفضل الامارتين، توزع هذا الشعب في اقسام لبنان وخالط جميع مكوناته وعمل معهم ولهم، فتمكنت اللحمة بين مكونات لبنان حتى بلغ الامتداد المسيحي آنذاك حوالى ستين في المئة من الجغرافية اللبنانية، بينما بقي التخالط على حاله مع بقية مكونات لبنان.
سواء نسبنا هذا التوزع الى خصائص فردية، او الى مصالح خاصة، كل هذا لا يبدل النزعة الغالبة للاتجاه الدمجي الذي اعتمده المسيحي مبدأ تعامل، رافضا بذلك كل شكل من اشكال المسافة الاجتماعية.
واظهرت التقصيات العلمية ان اجتماعية المسيحي تجعله الاقرب الى الشخصية المؤسسة للوطن اللبناني التعددي.
فالمسيحي يحمل في ذاته عوامل التقارب والنزوع نحو الآخرين. ان مسيحيي الجنوب مثلا الذين يسكنون القطاع الممتد بين تومات نيحا – جزين ومشارف صيدا شكلوا المنطقة العازلة التي تفصل بين الدروز والشيعة في الشمال والسنة في الغرب. مما حفظ المسافة الاجتماعية، التي تظهر هنا واقعا تاريخيا ملازما وضروريا للتوازن الجيوسياسي، وهذا ليس من باب المصادفة، بل من عمل الحكام.
لا ريب ان المسيحي فتش عبر تحالفاته عن مصالح مشتركة، وهذا امر طبيعي، لكننا لا نستطيع ان نجعل من انفتاحه هدفا صغيرا او مقتصرا على استراتيجيا مصالح، لانه يناقض روح المسيحية. ان المهمة التربوية والتنشيئية التي تحمّل المسيحيون تبعاتها حيال اخوانهم من الطوائف الاخرى، تظهر علنا حرصهم على ملاقاة الآخر في اختلافيته.
ان الثقة بالغير امر يثبته التاريخ من خلال قصة البطريرك الحويك الذي حمل قضية لبنان الكبير. ففي اصراره على منع اجتزاء لبنان وتصغيره، اكد انه يفضل العيش معا، على المعزل المسيحي. لقد بلغ خياره مدى ابعد من التوازن الديموغرافي. لقد اتجه نحو الصيغة التآلفية المسيحية – الاسلامية.
يخطئ من يعتقد ان ذاكرة المسيحي قصيرة او انها واهنة، ليس المسيحي رجل مرارة، فهو لا يضمر حقدا دينيا او اتنيا، ولا يخبئ حس انتقام داخلي، وهذا ما يظهره اندفاع الكنيسة واصرارها على اعادة بناء لبنان بعد دمار سنة 1860، وبعدمحنة 1975 – 1990.
في ضوء هذه المعطيات نفهم كيف تحول لبنان مشروعا سياسيا للانسان ولكل انسان، وكيف ان تطور الدولة اللبنانية هو حصيلة نمو المصير المسيحي الذي يشكل الخميرة التي لا بد منها لأية صيغة تآلف وتسوية تاريخية او عقد اجتماعي.
اما اليوم فالتحامل على المسيحي وتهجيره من اماكن انتشاره، وتزهيده بالبقاء في لبنان، الى المآسي الشخصية والاجتماعية، كل هذا لا يعني الا انهيار لبنان السياسي.
ان تقلص المسيحي الجغرافي والسياسي هو اعدام لفكرة الدولة اللبنانية المستقلة، والعودة الى حياة القبائل والعشائر في القرون الوسطى. ان الحضور المسيحي في كل المناطق، وتمثيله تمثيلا صحيحا كاملا، هو الضامن لوحدة لبنان، والشرط الاساسي لديمومته.
ان المسكونة السياسية التي حركت المسيحي سابقا لا تزال هي نفسها تحركه اليوم لان يطلب بالحاح نظاما انتخابيا عادلا، وسط هذا الوضع المقلق. فالمسيحيون لن يتخلوا عن لبنان الـ 10452كلم2. فهم الذين اطلقوا هذا الشعار، وضحوا بالكثير من اجله، بل اكثر قدموا الشهداء وصرفوا قرونا من الجهد والكد من اجل تحقيق هذا الهدف.
هذه الحقيقة يدركها ويعترف بها كل باحث منصف في شؤون لبنان. ففي مقال كتبه الاديب والشاعر عباس بيضون، قال: "اعطى المسيحيون لبنان نظامه... وتماهوا معه... حتى تم لهم وحدهم ان يجعلوا من تاريخهم وثقافتهم تاريخا سائدا... من الصعب بعدُ العودة الى ما وراء الدولة التي صاغها الموارنة، الا في العودة الى الخلافة، او الى لبنان الصغير... لا تنقلبوا على انفسكم بل اصمدوا قليلا ايها الزملاء...".
ويقول البابا يوحنا بولس الثاني في خاتمة كلامه على التضامن مع العالم العربي: "ان الحوار والتعاون بين مسيحيي لبنان ومسلميه يمكن ان يساعدا على تحقيق المسعى نفسه في بلدان اخرى".
فهل نتراجع اليوم، بينما الدول العربية بدأت تنتفض، والعالم كله يحاول بقوة التقدم الى الامام؟ قليل من الايمان والشجاعة نبني لبنان من جديد.

عن النهار

 


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé