مقالات مختارة

المسألة المسيحية" بقلم سمير عطاالله   06/02/2013

تخبط المسيحيون (والمسلمون)، في سوء تفسير تاريخي، لأسباب نشوء لبنان، جمهورية ذات طابع مسيحي عشرينات القرن الماضي. الفريقان اعتقدا أن أسباباً دينية كانت خلف مقاصد الغرب، ونياته. وهو تفسير جزئي في المبدأ، سطحي في الجوهر. فالغرب كان يومها، بريطانيا وفرنسا. الأولى كانت تعتبر الهند الهندوسية "جوهرة التاج"، والثانية كانت دولة علمانية خارجة من حروبها مع الكنيسة. والفرنسيون الذين كانوا يأتون الى لبنان، من ألفوس دو لامارتين الى أرنست رينان، الى جيرار دونرفال، كانوا رواد الحياة المدنية. والواقع ان رينان وضع نظريته حول "بشرية" المسيح في "كوخ ماروني صغير وليس معي سوى خمسة كتب". وكان ذلك في عمشيت، على الساحل الماروني الضيق، مثل جبله.
ولم يلفت المسيحيون الغرب إليهم، بجحافل جيوشهم. ولا بثرواتهم. ولا بالموانئ، أو "الأساكل" التجارية التي هم غرباء عنها، لا يعبرونها إلا في طريق الهجرة. وفي "العمالة" للصليبيين، فما كانوا سوى بيادق قليلة مقارنة بسواهم.
اجتذب المسيحيون اهتمام الغرب بظهورهم فيه كفريق يتجاوز حضارة الشرق، ويمكن ان يشكل جسراً ثقافياً ما بين حواضر المتوسط. منذ القرن السابع عشر بدأ العلماء والمترجمون بالبروز، ما بين روما والبلاط الفرنسي ولندن. وفي مصر المطلة على أوروبا، برز اللبنانيون أكاديميين وصناعيين وتجاراً وعلماء. وصار لسيدة تدعى مي زيادة في القاهرة صالون ادبي أشبه بصالون مدام دو سيفينيي أو مدام دو ستال، يلتقي فيه عمالقة الأدب المصري وحتى بعض قضاة الشرع. وذلك قبل زمن من شيوع الحركات النسائية في معظم الأرض.
وفي نيويورك كان جبران يسحر أميركا الأدبية ويشغفها حباً، كما شغف يوسف الصدّيق امرأة الفرعون. وأطل الأدباء في أميركا اللاتينية باعداد تكاد تماثل بائعي الكشة في الأدغال أو الثلوج. وقبل مئة عام من دخول أمين معلوف الأكاديمية الفرنسية، مطرزاً بالذهب وزيتون عين القبو، كانت الكوميدي فرانسيز تؤدي "عنترة" شكري غانم.
"سمعة" لبنان كانت أبعد من جروده ووعوره القاسية. ومدنه كانت تُبرق في دروس الحضارات. ومدرسة الحقوق في بيروت كانت واحدة من ثلاث في جميع روما، قبل أن يدمرها زلزال 555 ق. م. وتدفنها وزارة الثقافة العام الماضي، تخلصاً من غبار التاريخ الالماسي، لبلد يقل حجمه أربع مرات عن حجم حمص.
من أجل صداه لا من أجل مداه، أعطي لبنان أن يكون اسماً مستقلاً بدل أن يظل جبلاً قاسياً يناطح الصخر ويركب البحر. كانت هذه فكرة البطريرك الحويك الأولى عندما بسط أمامه كليمنصو الخريطة العتيدة. قال له خُذ وادي النصارى وكبّر أكثريتك المسيحية، فقال، بل أريد سهل البقاع، كي لا يموت اللبنانيون على الطرق إذا قامت مجاعة أخرى.
ليس صحيحاً أنه قال لا أريد طغياناً أرثوذكسياً. هذا مزاح بلدي ثقيل وضرب من "المرقعة" القليلة النظر. ليست هذه دراسة تاريخية ولا هذا مكانها. إنما هي تذكير بأن الدور "المسيحي" في لبنان لم يكن دائماً ما هو اليوم. أي أن تجتمع أحزاب، كانت تتقاتل بالدماء والأرواح، وصارت تتنافر بالحقد والتسخيف، تجتمع لتتفق على شيء واحد وتترك بقية الخلافات على نارها. الشيء الواحد، أو بالأحرى الوحيد، مقاعد البرلمان.
هذا وطن، أو بالأحرى، ذاك وطن، كان الكلداني ميشال شيحا يفلسف وجوده وحضوره. والآن يتلطى مسيحيوه خلف مشروع مضحك من أجل البقاء والحضور. وهذا، أو بالأحرى ذاك، وطن كان فيه المسيحيون حُماة العربية ونسّاكها ورهبانها، واليوم يحوّلونها لغة النعال. ماذا فعل المسيحيون بالبلد الذي أعطوه، أوائل بين أولين؟ هل هذه هي "القضية اللبنانية" فيما العالم العربي ما بين الطوفان والانهيار؟ بضعة مقاعد يتوسلها الزعماء، من بكركي، تحت حيلة الأرثوذكس، الذين كانوا أوائل رؤساء الجمهورية بعد إعلانها، وحوّلهم الاستقلال الى دولة نائب رئيس المجلس.
بكركي كانت تمثّل دائماً دور الجماعة لا المجموعة. آية الجمع لا العدد. الرموز لا الأرقام. هكذا كانت مع الحويك وعريضة والمعوشي ومار نصرالله بطرس صفير ونتمنى أن تبقى. ويتمنى مسلموها ومسيحيوها، ألا تنظر من التلة إلا لترى ما لا يراه الأفقيون: لبنان ببُعد حضاري واحد، مهما كثرت ظواهر التخلّف وتفاقم الانحراف.
فيما كنا غارقين في البحث عن "قانون" انتخاب، كانت سيدة ترأس برلمان دولة الإمارات الأسبوع الماضي. عندما ذهبت إلى الإمارات منتصف الستينات كانت رملاً بلا طرق، وكان فيها فندق واحد بناه إميل البستاني، وسمَّاه "البستان" في قلب الصحراء، بِراً باسم العائلة التي أعطت كبار المعلمين، في اللغة وفي العمران. لم يكن لأي رجل أعمال عربي، ما كان لإميل البستاني من احترام وتقدير. حمل أمين الريحاني الى ديار المسلمين دعوة الوحدة، وحمل إميل البستاني أعمدة البناء في الرمل والحر. آذار المقبل يكتمل نصف قرن على غياب هذا "المسيحي" الذي وضع أسس العمران في الخليج ومن هناك ذهب يبني ويُعمّر في باكستان، بلاد طالبان وجمهورية "سوات" اليوم. قبل وصولنا إلى "المشروع الأرثوذكسي" كان جمال عبدالناصر يوسِّط يتيم الدبّية في العلاقات مع بريطانيا. ما بين مصر الكبرى وبريطانيا العظمى، هذا كان دور المسيحيين. بل كان دور مسيحي من لبنان (أعتذر عن نسيان اسمه) مستشار القانون، عند الحسن الثاني، أمير المؤمنين. وظلّ في موقعه حتى عامه التسعين والأخير.
محزن هذا الضأل المسيحي اليوم. من "المشروع الأرثوذكسي" إلى قانون كفرذبيان. المنطقة في حريق المصير ونحن في تنزيهة أحمد الأسير. المنطقة، كلها، في المسألة المسيحية، والمسيحيون في المسألة الانتخابية. نرى أمامنا النازحين السوريين ونرى أمامنا الروس ينزحون من مطار بيروت، ونحن نلعلع: "ستين" أم "خمسين"؟
صفر. صفر. صفر. يخوض السياسيون المسيحيون معركة كرنفالية في غير موقعها. خسروا أماكنهم في الإدارة وفي الحكومة وتحوّلوا في السياسة إلى فروع متنقّلة، وكل ما يقاتلون من أجله ارقام إحصائية تؤمّن لهم البقاء ولا تؤمّن للبنان شيئاً. لولا لياقة نبيه بري في منع الشطط السياسي، لتفاقم الانقسام، كما يتفاقم حالياً خطاب السبّ والشتم.
غاب قبل أسابيع السفير كميل أبو صوان الذي كان يملك إحدى أهم المجموعات الفنية والأدبية. وقبل نحو عقدين عُرضت مجموعته في المزاد عند "سوذبي" في لندن. وكان كبار المشترين العرب ثلاثة: عصام فارس، لاقتناء كل الكتب الأرثوذكسية والتبرّع بها لـ"البلمند"، ورجا صيداوي، لاقتناء الكتب المتعلقة بتاريخ سوريا، وميرنا البستاني لشراء كل الكتب التي وضعها البساتنة، من المعلّم بطرس، صاحب "محيط المحيط"، إلى سليمان، الذي ترجم "الإلياذة" عن اليونانية. هل يمكن أن نتخيّل ماذا تعني ترجمة "الإلياذة"، وكم صرف من السنين، ومقابل ماذا؟ ألا يخجل السياسيون "المسيحيون" مما يفعلونه باللغة اليوم؟ ينقِّبون فيها فلا يجدون ما يسعفهم في الجدل سوى الكلمات النابية، كي لا نقول أكثر.
انتقلنا من عصور المتاحف الخاصة والمجموعات الحضارية إلى عصر يناشد فيه ثلاثة من وزراء الثقافة السابقين زميلهم الحالي العفو عن آثار مدرسة الحقوق الرومانية في قلب بيروت. ولا يردّ. ما هو لبنان، إذا طمرنا آثاره وبعثرنا متحفه؟ لم نأخذ سعيد عقل في الماضي على محمل الجدّ، لكننا اليوم نشعر أن "الإمارات" الحديثة سوف تخفي خلف واجهتها لبنان القديم، مملكة صور ومعاهد صيدا وقلاع طرابلس، فيما تتكفل وزارة الثقافة قلب بيروت. يبعثرون هذا الوطن في وضح النهار. صار دور كسروان أن تقفل طريق فاريا بعدما كان حمل مفاتيح بكركي.
في المسرح، يُسمى هذا النوع من التصرف، "مساخر". و"المسخرة" هي المبالغة في عرض شيء مستبعد الحصول، لا معنى له، ويقوم على التهريج. وليس من الضروري أبداً أن يقوم بالتهريج فريق واحد أو ممثل واحد. "المسخرة" غير الكوميديا. هذه لها أصول وأداء ونصوص. اما في "المسخرة" فكان الراحل توفيق الدقن، اذا اسكره التصفيق – أو غيره – يخرج عن النص ويروح يدور حول نفسه ويخاطب نفسه مكرراً "إزايك يا همبقة". ثم "إزيك إنتا يا عمي يا همبقة" أو "والله دي همبقة خالص".
لكن "المسخرة" بمبالغاتها تُضحك. لا شيء يُضحك في هذا الموكب الجنائزي العربي الطويل. لا هواية الشيخ أحمد الأسير في التزلج ولا نخوة سياسيي كسروان في احتكار الثلوج لـ"السكي" و "الأبريه سكي".
الناحية الإيجابية الوحيدة في هذا المشهد، هي أن الأزمة النفسانية ليست عند المسيحيين وحدهم. هؤلاء في انتخابات مجلس النواب وهؤلاء في انتخابات المجلس الشرعي. وفي طرابلس يطلق "الإسلاميون" النار على موكب حفيد عبد الحميد كرامي الذي قال محمد مهدي الجواهري في رثائه:

باقٍ، وأعمارُ الطغاةِ قصارٌ
من سِفرِ مجدِكَ عاطرٌ وموارٌ


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé