مقالات مختارة

التعليم قاد مسيرة الموارنة إلى التوافق والعيش المشترك   11/02/2013

ثمة سؤال اطرحه دوماً على نفسي، كما هو في بال الكثيرين من مسيحيين ومسلمين في هذا الوطن: "ما معنى أن تكون مارونياً؟".
من نجتمع اليوم حول ذكراه كان مارونياً كبيراً. فماذا تعني "مارونية؟ وما المضمون والأبعاد التي تحملها هذه الصفة؟ ما هي عطاءاتها للثقافة والنهضة الفكرية في لبنان الحديث؟
بعيداً عن النقاشات اللاهوتية التي امتدت عبر العصور، وكان اتباع مار مارون في صلبها اتوقف عند محطتين تكتسبان اهمية بالغة في تاريخ هذه الطائفة المسيحية العربية.
أولى هذه المحطات كان انشاء المدرسة المارونية في روما عام 1575 التي خرّجت رعيلاً من الاساقفة الابرار والعلماء في الدين والدنيا. انشئت هذه المدرسة عند بزوغ فجر النهضة في اوروبا فكان ان تلقفت – إضافة الى انها مدرسة اكليريكية – العلوم الحديثة في المرحلة التاريخية الصاخبة التي اجتاحت اوروبا في ذلك الحين. فكان متخرجو المدرسة المارونية في روما من الاحبار الكرام يعودون الينا فينفحون فينا روح العلم والتقدم.
اما المحطة الثانية في مسيرة الطائفة المارونية في العصر الحديث، فكان المجمع اللبناني الذي انعقد في دير اللويزة عام 1736، باشراف المرسل الرسولي يوسف سمعان السمعاني، مواليد طرابلس عام 1687 ومن تلامذة المدرسة المارونية في روما. كان يوسف السمعاني من أبرز علماء عصره في ما يتعلق بالمسألة الشرقية، وذلك من الدين الى الدنيا الى علومهما.
وقد نقل المجمع اللبناني المنعقد في دير اللويزة الطائفة المارونية من مرحلة تاريخية الى مرحلة تاريخية اخرى ولعل ما حققته هذه الطائفة من تقدم كان نتيجة له. وصدرت عن هذا المجمع مئات القرارات او القوانين المتعلقة بالدين والدنيا عادت بالخير على الطائفة جمعاء، كما على الوطن كله. ومن اهمها ما جاء حول التعليم: "فليعلموا الاحداث في المدارس اولاً القراءة والكتابة في السريانية والعربية...".
من المدرسة المارونية في روما الى مقررات المجمع اللبناني في اللويزة اكتملت الحلقات التي خرجت اجيالاً من المثقفين المتقدمين في ذلك العصر. ثم فتح الآباء اللعازريون مدارسهم وفيها دير عينطورة الشهير وفتح الآباء اليسوعيون اديارهم للتعليم، ثم انشأوا جامعة مار يوسف في بيروت للدروس الاكليريكية. وقد وفّر ذلك للطائفة المارونية معهداً اكليريكياً يقارن عطاؤه بالمدرسة المارونية في روما، فتخرّج منه اساقفة الطائفة المارونية وكهنتها الكبار كالأب يواكيم مبارك الذي جمعته بالمطران يوسف الخوري صداقة متينة واهداف سامية حول وحدة الكنائس وتعاون الاديان.
وما جمع المطران يوسف الخوري بالعلامة الامام موسى الصدر لا يمكن ادراجه إلا في السياق نفسه. فقد التقيا في مراحل دقيقة من تاريخ لبنان والمنطقة على مبادئ العيش المشترك وتوافق الاديان، كما التقيا مع النخبة التي كانت تسعى الى انقاذه من المحن. وكان المجمع الفاتيكاني الثاني انعقد في روما عام 1961 برعاية البابا يوحنا الثالث والعشرين قرر انفتاح الكنيسة على جميع العائلات الروحية وبالأخص، فيما يخصنا، على دين الرسول العربي الكبير. ومما جاء في هذه المقررات: "والكنيسة الكاثوليكية لا تنبذ شيئاً مما هو في هذه الديانات حق مقدس، وتولي تقديرها باحترام صادق هذه الطرق المسلوكة في العمل والحياة، وهذه القواعد والتعاليم، التي وان اختلفت في أمور كثيرة، عما تقول به وتعلمه، تحمل، غير مرّة، قبساً من شعاع الحقيقة التي تنير جميع الناس".
وتم هذا الانفتاح على جميع العائلات الروحية بين المسيحيين بعد تأسيس مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك عام 1970، ثم الدخول في مجلس كنائس الشرق الأوسط عام 1988، وما تلاه من تلاق بين احبار الطوائف المسيحية وعلماء الدين الاسلامي والمشايخ الاجلاء. وكان المطران يوسف الخوري في صلب هذه الانجازات.
اجرى المطران يوسف الخوري الى سلسلة لقاءات وعلاقات امتدت من الاب العلامة يواكيم مبارك الى الاب جان كوربون الذي تعاون معه في اصدار مجلة الرسالة الجامعة Courrier" œcuménique".
وأية شهادة في المطران يوسف الخوري تسمو على شهادة نيافة البطريرك بشارة الراعي، رفيقه في خدمة العلم والعلاقة بين العائلات الروحية. يقول نيافة البطريرك في المقدمة التي اهداها الى صاحب كتاب "الحبر المتعدد الابعاد" عن المطران يوسف الخوري: "بشهادة كبار الكنيسة الكاثوليكية... اعتبروه احد أهم رواد الحركة المسكونية في لبنان والمشرق". ويضيف أنه "كان في أساس انضمام العائلة الكاثوليكية الى مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي اعتبره بداية الوحدة المرجوة بين الكنائس وجميع المسيحيين".
… وانني اوجز بكلمتين ما اردت الاشارة اليه بهذه العجالة حول الطائفة المارونية في التعلم والتعليم، بأن المطران يوسف الخوري كان من أحبارها البررة المتقدمين في جميع مرافق الدين والعلوم والحياة. ادام الله ذكراه كمثل يقتدى في الانفتاح على الطوائف المسيحية والاسلامية على حد سواء، حتى يبقى لبناننا قبلة هذا الشرق وليس مشكلة تضاف الى مشاكله المتعددة.

¶ الذكرى العشرون لرحيل راعي أبرشية صور المارونية المطران يوسف الخوري.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé