مقالات مختارة

الوجود المسيحي في الشرق الأوسط هدف أم قيمة؟ بقلم هادي غنطوس   19/06/2013

لا يختلف الكثيرون على حقيقة أن المسيحيين في الشرق الأوسط يواجهون أسئلة صعبة تتعلق بوجودهم ومستقبلهم في المنطقة التي انطلقت منها المسيحية، وليس ذلك بأمر جديد، حيث لطالما وجد المسيحيون
الشرق أوسطيون أنفسهم في أوضاع صعبة في تاريخهم. وأمام هذا الواقع، يختلف المسيحيون في مواقفهم وخياراتهم التي يتبنونها، المعلنة منها وغير المعلنة على حد سواء. ففي سوريا، وبعد ما يزيد على العامين على الأزمة، ينقسم المسيحيون بين مؤيد للنظام وآخر داعم للثورة وثالث ضائع بين الاثنين. وفي لبنان، ينقسم المسيحيون بين مؤيد لمشروع "14 آذار" وآخر مؤيد لمشروع "8 آذار" وثالث ضائع بين الاثنين. والأمر ينسحب بدرجات وبطرق مختلفة على المسيحيين في مصر والعراق والأردن وفلسطين. وفي كل مكان يعلو صوت المسيحيين، قادة دينيين وسياسيين، كما الشعب، بالتحذير من الخطر المحدق بمستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط والمناداة بضرورة المحافظة على ذلك الوجود.
ولست بوارد تبني أو تفضيل أو إدانة أي موقف في هذا البلد أو ذاك، فذلك التنوع والاختلاف في الرأي هو مظهر غنى ويجب أن يكون مصدر فخر، لا أسى وحسرة، بالنسبة الى المسيحيين. لكن الأمر الخطير هو أن تلك المواقف تعاني مشكلة أساسية وهي في مجملها "خاطئة" مبدئياً، وسبب ذلك أنها في مجملها تنطلق من النتائج وليس المبادئ. معظم المواقف التي يتبناها المسيحيون في الشرق الأوسط تنبع من إيمانهم بأن ذلك الموقف يحقق "مصالح" المسيحيين ويحفظ وجودهم، وذلك بحد ذاته يتناقض مع جوهر المسيحية التي هي، أو من المفترض أن تكون، ديناً يبدأ وينطلق ويبني مواقفه وقيمه وممارساته على أساس المبدأ وليس النتيجة. المسيحية تنطلق من مبادى أساسية وهي أن الإله الذي تؤمن به هو في جوهره محبة لا مشروطة تضحي حتى بذاتها لتخلق آخر ولتعطي حياة أفضل لذلك الآخر، وأن الرسالة التي يجب أن تحملها المسيحية هي رسالة محبة وحرية وعدالة وسلام ورجاء لكل الخليقة. والمسيحية التي تتعارض مع أي مكيافيلليه تؤمن بأنها لا تستطيع أن تحقق أيا مما سبق بوسائل تتعارض وتلك القيم. فالغاية في المسيحية لا تبرر الوسيلة. بذلك المعنى، المسيحيون في الشرق الأوسط مدعوون ليبنوا أي موقف يتبنونه على أساس دعوتهم الى تحقيق حياة أفضل لا لأنفسهم، ولكن لآخرين، ورفضهم كل عنف وظلم وتكفير وقتل واستبداد.
وبالتالي فالمسيحيون في الشرق الأوسط مدعوون أمام كل موقف يتبنونه ويتخذونه، وهم أحرار في أن يتنوعوا ومدعوون الى ان يحافظوا على ذلك التنوع، لكي يسألوا أنفسهم إلى أي حد يتفق ذلك الموقف مع المبادئ التي عاشها وجسدها ومات وقام لأجلها من يحملون اسمه. المسيحيون في الشرق الأوسط يدفعون الثمن، وبالتالي، فعلى الأقل هم مدعوون الى ان يدفعوا ثمن التزامهم مبادئهم وقيمهم، لا خوفهم وسعيهم الى تحقيق "مصالحهم". المسيحيون في الشرق الأوسط مدعوون الى ان يدركوا أنهم لا ينبغي أن يهتموا كثيراً بأن يبقوا لمجرد البقاء، لأن من يسعى الى البقاء إنما يموت ببطء، ولكن لكي يعيشوا بطريقة تجعل لذلك البقاء قيمة ومعنى.

عن النهار


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé