مقالات مختارة

نحو لاهوت تحرير عربي من... فلسطين! - زياد الصائغ   17/10/2011

لم يكن سينودس مسيحيي الشرق الأوسط، الذي دعا إليه الكرسي الرسولي في الفاتيكان أواخر العام الفائت، عادياً، خصوصاً بعد إطلاقه سجالاً عنيفاً بين وزارتي خارجية كل من الفاتيكان وإسرائيل، حول روحية ما ورد في البيان الختامي للسينودس، برفض الكنيسة توسّل الايديولوجيا الدينية لتبرير العنف وتحقيق مكاسب سياسية على حساب حق الشعب الفلسطيني بالحياة في دولة سيدة مستقلة. واللاعادية في ما تمّ تداوله، في كواليس بعض النقاشات في أروقة الفاتيكان، بدا في ضرورة الانتقال من ذهنية واجب حماية المقدسات في فلسطين المحتلة، إلى واجب صون وجود إنسان المقدسات.
فإذا ما كانت الأرقام التقديرية، تشير بشكل مخيف، إلى شبه الغياب الديموغرافي لثقل مسيحي في الأراضي الفلسطينية كما في فلسطين المحتلة، فإن ثمة رمزية يقتضي الركون إليها، في تحليل هذا شبه الغياب. فهناك من انخرط في التأكيد على إسلامية القضية الفلسطينية من ناحية، وهناك من انساق، وبفعل تقليد يهو ـ مسيحي لسياقات تبرير المسيحية الغربية من أوشفيتزية النازيين في مواجهة اليهود من ناحية أُخرى من خلال شرعنة العدوانية الاسرائيلية. وبين الانخراط الاسلاموي والانسياق اليهوـ مسيحي تمكنت اسرائيل من انتزاع هدنة مع الكرسي الرسولي في الفاتيكان، ساندها في ذلك قصور مسيحي عربي في المقاربة اللاهوتية والعملانية المقاومة للنهج التهويدي التزويري للتاريخ والجغرافيا، وحتى بعض العقيدة المسيحية، والذي مارسته ولم تزل صهيونية تدّعي علمانية منطلقاتها والأهداف، فيما هي توراتية المرتكز بتشويه إيديولوجي يخدم مصلحة إسرائيل.
في كل ما سبق، وبعد وثيقة «وقفة حق» لمسيحيي فلسطين، ناهيك بانتفاضات الربيع العربي، وصولاً إلى تصاعد يسار يهودي، ولو خجول، مثلته حركتا «جي ـ ستريت» في الولايات المتحدة الأميركية و«جي ـ كول» في أوروبا، وكرّسته وثيقة «نداء إلى التعقل», والتي وقّع عليها مثقفون يهود يساريون في (3 أيار 2010)، وعبّروا فيها بشكل واضح بأن «الانحياز الدائم إلى سياسة الحكومة الاسرائيلية خطر لأنه يتعارض مع المصالح الحيوية لدولة اسرائيل»، وبأن «استمرار الاستيطان في الأراضي المحتلة خطأ سياسي وأخلاقي»، وأنه «آن أوان قيام حل شعبين ودولتين»، في كل ما سبق تتبدى الحاجة إلى لاهوت تحرر عربي يقوده مسيحيو فلسطين.
وقد يكون الإرشاد الرسولي المرتقب صدوره عن سينودس مسيحيي الشرق الأوسط، كخارطة طريق لهم الأكثر قدرة، وعلى الرغم من التشدد الكاثوليكي تجاه «لاهوت التحرر» بعد تموضعه الثوري في أميركا اللاتينية مولوداً من رحم معاناة تاريخية، قد يكون هذا الإرشاد المرتقب، وتحديداً في مرحلة الربيع الفلسطيني، الأكثر قدرة على تبني ما كتبه القس الدكتور نعيم عتيق في مؤلفه «الصراع من أجل العدالة/ لاهوت التحرر الفلسطيني» (دار الكلمة/2002 ـ ص80) بوضوح «أن الكنيسة مدعوة لجعل إيمانها ولاهوتها محلياً، فتشغل نفسها بالقضايا الحاسمة التي تواجهها»، مضيفاً وفي معرض قناعته بواجب إطلاق لاهوت تحرر فلسطيني: «ينظر عدد من المسيحيين في العالم، ولا سيما المسيحيون الشرقيون (...) إلى لاهوت التحرّر كشيء غريب وغير مقبول. وينظر قسم آخر منهم إلى هذا اللاهوت، وكأنه متأثر بالنزعة الماركسية. وسواء كان هذا الادعاء خاطئاً أم صحيحاً (...) فإنه من الضروري، فحص الفرضيات الخاصة بهذا اللاهوت (..) إذ هو من صميم الكتاب المقدس. وهو محاولة للربط بين اللاهوت والحياة اليومية بصورة مفيدة للمسيحي الفلسطيني (...). وهو يقاوم بطريقة ما ويدحض الأساليب الخاطئة في فهم الكتاب المقدس وإساءة استعماله من قبل الكثيرين» (ص 14(.
من هنا، وعلى ما يبدو، تلاقٍ مع ما طرحه الكرسي الرسولي واستثار ردّ إسرائيل، حول رفض الأول أدلجة الدين في سبيل اغتصاب أرض واغتيال شعب. ويستدعي هذا التلاقي تجذير اللاهوت بالحقائق الراهنة وإبعاده عن التعقيدات التبسيطية غير المسؤولة، والإكباب على تفكيك بنيوي لاستغلالات التقليد اليهو ـ مسيحي المشبوهة، والذي تمارسه إسرائيل منذ ما قبل قيامها.
على أن هذا التفكيك البنيوي لتشويه عقائدي، يجب أن يتواكب، ومع صياغة لاهوت تحرر فلسطيني، بإطلاق لاهوت تحرر عربي على قاعدة الانتماء الموقعي والإلزام الزمني في نسج شهادة إيمانية جريئة في رفض الظلم، والدفاع عن قضايا العدل، وينشئ ذلك تلاقحاً مسيحياً ـ إسلامياً حتمياً.
وانطلاقا من هذا التلاقح التحرري والتحريري، يتبدى ملحاً استذكار مواقف رجالات عظام من امثال المطارنة يوسف ريّا، وغريغوريوس حجار، وإيلاريون كبوجي وغيرهم، ممن أكدوا ان الكنيسة لا تني تناصر الحق أياً تكن الإمكانات المتاحة، ناهيك بواجب تحرير المقدسات من بعض الـتعامل الضمني معها فما قيمة المقدسات إن لم نستلهم من عمقها وقف نزف إنسانها؟
من مقدسات فلسطين، إلى إنسانها قدسية أولى، آن أوان استنهاض المسيحية العربية والغربية من سبات أوقعها فيها الاستبداد الآفل إلى غير رجعة والزيف العقائدي الذي بات أدنى إلى اجلٍ تصنعه يداه!

زياد الصائغ كاتب وباحث لبناني


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé