مقالات مختارة

حزب البطريرك: هكذا وُلد... ميتاً - جان عزيز - الخبار   17/10/2011

بلا إعلام ولا علم وخبر، شهدت كواليس السياسة المسيحية في الأسبوعين الماضيين محاولة لتوليد ما يمكن تسميته «حزب البطريرك». التسمية يتيمة، إذ يرفضها أهلها ويتبارون في التبرؤ من أبوّتها والتنصل من تبنّيها. لكن التجربة في حد ذاتها ليست يتيمة. فلها سوابق وحقائق، وروايتها تثبت ذلك، وتثبت كيف وُلد الحزب ومات، ليحيا مشروع البطريرك

لم تكن للبطريرك الراعي أي علاقة مباشرة أو سببية بالأمر، مع أن المسألة بدأت بكلام منه، أشبه بالبوح الوجداني. كان ذلك بعد «العاصفة» التي أطلقها غبطته بمواقفه الباريسية في 9 أيلول. بعد عودته الى لبنان، كان سيّد بكركي على موعد مع محطة جديدة من جولاته البولسية. ذات ليلة كان في إحدى البلدات في جبل لبنان. عند آخر العشية، كان لا يزال بين السامرين أحد الوزراء والنواب الموارنة السابقين. في لحظة ثنائية صار الحوار نوعاً من «الاعتراف». السياسي «يعترف» بالولاء لمواقف البطريرك، مع ملاحظة نوع من العجز عن تجسيد الموقف وتثميره. أما صاحب الغبطة فاعترافه كاد يلامس المرارة أو طرف الأسى: أين هم المسيحيون، وخصوصاً الموارنة؟ إنها قضيتهم. إنها أزمتهم ومعركتهم ومصيرهم. طبيعي أن أسمع كلام المعترضين والمعارضين وأصحاب الرؤيات الأخرى. لكن أين أصوات المعنيين بهذا الطرح؟ أفهم أن يتكلم الآخرون. لكن لا أفهم أن يصمت هؤلاء...
وصلت الفكرة، وانتقلت فوراً للتداول في شأنها بين مجموعة من الوزراء والنواب السابقين، من مختلف المذاهب المسيحية. على وقع التفكير بأصوات عالية، صارت تتبلور أكثر: المرحلة مشابهة الى حد بعيد للعام 2000. يومها كان موقف بطريركي عبّر عنه نداء بكركي في 20 أيلول. ولم يلبث أهل الصرح أن أدركوا أن النداء في حاجة الى من يلبّونه. فوُلد «لقاء قرنة شهوان». حتى إنه يُحكى أن مكوناته لم تجتمع. بل جمعتها بكركي. لم يتداعوا، بل دعاهم الصرح وفق منطق الأمور وضروراتها، فالكنيسة تطلق الموقف. أما تجسيده في الواقع السياسي اليومي فهي مهمة العلمانيين. حتى إذا كانوا مترددين أو عاجزين نسبياً، في الحالة القصوى يُنتدب على رأسهم أسقف، ولو للشكل والإدارة والتنسيق، فيولد «حزب البطريرك»، وتنطلق العملية المطلوبة لتحقيق أهدافه الوطنية وتطلعاته الإنسانية الجامعة... وتوالى العصف الفكري في المجموعة: المرحلة مشابهة اليوم. كلام البطريرك الراعي بين باريس وبيروت نداء جديد. يتطابق مع مقتضيات المرحلة الجديدة. ومرة أخرى يحتاج النداء الى ملبّين للنداء، الى متنادين لتكوين «حزب النداء» أو «حزب البطريرك».
هكذا عقد اللقاء الأول في دارة وزير ونائب ماروني شمالي سابق. دار الكلام على ألسن المجموعة العشرينية المشاركة. الكل متحمس. الكل مؤيد ومستعد. لكن ظلَّ في العيون المتبادلة السبر، تساؤل مكتوم لم يلبث أن ظهر علناً: هل البطريرك الراعي يريد فعلاً تكويناً كهذا؟ بأي شكل وبأي مضمون؟ ما هي هويته؟ ما هي آليات عمله وتنسيقه مع الصرح؟ وصولاً الى كل إشكالية العلاقة بين «الأب» و«الأبناء». غير أن الجواب كان سهلاً: نتصل ببكركي، ونطلب موعداً من سيدها. ونطرح الموضوع كما هو، بكل التباساته. ونخرج بالضوء الضروري.
قبل سفر صاحب الغبطة الى الولايات المتحدة الأميركية، وفي حمأة الانشغالات والاستعدادات، حرص على إيجاد الوقت الكافي للقاء. وبمنهجية عملية وعلمية، توجه الراعي الى المتسائلين: أولاً، لا بد من توضيح الحدث الباريسي. نحن سمعنا كلاماً مسؤولاً كبيراً لا يطمئن. لم يقل أحد لنا إن علينا الرحيل. لكننا فهمنا أن أحداً لا يرانا أولوية أو هدفاً أو حتى قضية. وهذا ما اقتضى منا أن نقول ما قلناه رداً. ثانياً، قد تكون المسألة في حاجة فعلاً الى إعلام الناس بحقائق الأمور، ومن ثم تحسيسهم وصولاً الى تعبئتهم. لكن الأكيد أن بكركي لا يمكن أن تتبنى أي إطار سياسي معيّن. وليس ممكناً أن يكون لسيّد بكركي «حزب». إن الاثنين فوق كل الأطر السياسية وفوق كل الأحزاب. يبقى إحساس كل منكم بالواجب الوطني الخاص به، فهذه مسألة متروكة لضمير كل منكم.
سافر الراعي، وعاد «المتنادون» الى اللقاء. في عرض سريع لاستخلاص ما فهموه من كلام غبطته، كان إجماع على ضرورة متابعة «العمل». لا حزب بكركي ولا حزب البطريرك. لكن وجوده مسألة اكثر من ضرورية. فجأة، وبعد حسم هذه النقطة، ظهرت التباينات. وسرعان ما طفت على سطح الاجتماع الطبيعة الثلاثية المكونة للمتنادين. فبينهم من جهة أولى، القريبون من رئيس الجمهورية. كانت مداخلاتهم تكشف هوياتهم بسرعة فائقة. يدبجون الكلام بإتقان، ليأخذوه الى أولوية المواءمة بين «المرجعيتين» المارونيتين للبلاد: بعبدا وبكركي. وفي الترجمة العملية، استثمار مواقف الراعي لدعم رئيس الجمهورية.
في المقابل، القريبون من العماد ميشال عون، على قلتهم بين المجتمعين وإحساسهم بأجواء غير ودية من الأكثرية، خطابهم المقابل واضح ايضاً: لا لزوم لتركيبة سياسية مسيحية جديدة. لقد جُربت هذه المحاولة أكثر من مرة وفشلت. فرصتها الوحيدة في أن تتبناها بكركي مباشرة. غير أن سلبيات زج الصرح في خطوة كهذه أكبر من إيجابياته. ثم إننا نحن من رفضنا تورط بكركي في السياسة في عهدها الماضي، لا يمكن أن نناقض أنفسنا ومبدأنا مع تبدل العهد البطريركي.
أما التكوين الثالث بين المجتمعين، فهو من السياسيين الموارنة من أصحاب المشاريع الخاصة. صحيح أن كلهم غير مرتبط بأجندة 14 الشهر. لكن البعض حساس حيال أجندة السنة 14 واستحقاقها الرئاسي. هؤلاء حريصون على عدم تجيير كل شيء لبكركي. يسألون: ونحن ماذا؟ لا شيء؟ ثم يبررون: ماذا لو بدل البطريرك موقفه؟ ماذا لو قرر العودة الى سياسة اللاموقف أو الجمود؟ علينا أن نشكل إطاراً، لكن عليه ان يكون «مستقلاً»، على قدر استقلال حسابات كل منهم...
انتهى الاجتماع. بعض حاضريه قال: بل انتهى اللقاء أو «الحزب» قبل أن يجزم: لكن البطريرك سيكمل. فحزبه هو كل الناس، خصوصاً من الكادرات الوسطى وحلقات التفاعل والتواصل المجتمعي الى كل القواعد. فهؤلاء اقدر على أن يتركوا كل شيء، ليتبعوه، وليحققوا الخلاص.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé