مقالات مختارة

زفت القَدَر الماروني - غسان سعود - الأخبار   20/10/2011

يروى في كسروان أن الرئيس كميل شمعون توفي وفرط حزب الوطنيين الأحرار، واضطر دوري شمعون إلى «التعمشق» بجحش الدولة الجنبلاطيّ ليصل إلى المجلس النيابي. كل ذلك وفرقة الأحرار الشمعونية تتنقل عازفة بين البلدات الكسروانية انطلاقاً من بلدتها الأم ــــ كفرذبيان، غير مدركة التحولات التي حصلت. تعزف للنائب فريد هيكل الخازن معتقدة أنها تعزف للرئيس شمعون. يختصر العازفون بأفواههم الملأى بالهواء وكروشهم المترهلة قدر الموارنة. وقد حرص القدر على أن يكمل رسم المشهد الماروني بالقرب من ساحة جونية يوم الجمعة الماضي. فبينما تقوم قيامة الشعوب العربية للحصول على الحرية والتحرر والعدالة الاجتماعية، يُشغل أهالي كسروان بالزفت ويبادرون إلى افتتاح بازار الانتخابات النيابية، مطالبين بتغيير نائب هنا وآخر هناك.
فرقة أحرار كفرذبيان من جهة وفرقة غوسطا من الجهة الأخرى. رئيس البلدية الزجّال نفسه الذي كان «يبخّر» للوزير غازي العريضي الأسبوع الماضي في بلاط النائب السابق منصور البون، ينتقده اليوم في بلاط الخازن، مكرراً بعد كل ذمٍّ: أنا لا أشتكي من العريضي، أشكو له. هم هكذا رؤساء المجالس البلدية، معظمهم يحضر في مكانين في وقت واحد، لكن بعضهم فقط يحرج نفسه ومستقبليه بشعر لا يضطره شيء إلى قوله. يرقص «أبو الشنب» بالعلم اللبناني.
في بعبدا وجبيل، يمنع «الصوت الشيعي» أي حماسة انتخابية. في عاليه والشوف يلعب «الصوت الدرزي» لعبة «الصوت الشيعي». في المتن، الأحجام محسومة تنتظر تحالفات اللحظة الأخيرة ليتحدد لون التسونامي، أخضر كتائبيّ أو برتقاليّ عوني. لا يبقى في جبل لبنان، إذاً، إلا كسروان. هنا لا «الصوت الشيعي» يؤثر ولا «الصوت الدرزي». الاستماع إلى النواب الحاليين والسابقين والمرشحين المفترضين يوحي بأن المؤثر الجدّي الوحيد في نتائج الانتخابات هو صوت «كاميونات» الزفت وصوت المرامل والكسارات. فخلافاً للمناطق الأخرى، لم يكن الفارق في معدل أصوات اللائحتين في الانتخابات الأخيرة كبيراً، الأمر الذي يحمّس المعنيين، معتقدين أن كل خدمة يقدمونها تقرّبهم خطوة من باب المجلس النيابي. وبحسب نواب تكتل التغيير والإصلاح، هم مضطرون إلى ملاحقة «كاميونات» الزفت والنزول على الأرض للتأكد من توجهها إلى الأمكنة المطلوب تزفيتها، لأن الزفت هو الشغل الشاغل لخصوم التيار. والزفت بالزفت يواجه. سبب انشغال كسروان أكثر من غيرها بالزفت إذاً هو وجود تنافس هنا على توزيع الزفت واستثماره سياسياً. ويقصد بالزفت مجموعة خدمات دأب نواب كسروان السابقون على تقديمها إلى ناخبيهم. كسروان مشغولة بالانتخابات إذاً. الانتفاضة التي دعا إليها النائب السابق فريد هيكل الخازن، الأسبوع الماضي، لم تكن إلا هتافاً من الأخير: أنا موجود. ليستكمل القدر لوحته، أوقف فريد هيكل الخازن قبالة نصب الرئيس فؤاد شهاب. البعض رأى أن الهتاف موجّه إلى السلطات القضائية التي تحسم هذا الأسبوع أمر إحدى مرامل الشيخ في كسروان، لكن اللافتات التي حملها المحتشدون الثوار والتي تلوم حصراً الوزارات المحسوبة على رئيس الجمهورية من الداخلية إلى البيئة، أوحت أن الهتاف موجه على نحو أساسي إلى حلفاء الخازن المفترضين، ولا سيما النائب السابق منصور البون وصهر الرئيس المرشح للانتخابات المقبلة وسام بارودي اللذين يعملان من دون أخذ وجود الخازن في الاعتبار، مع العلم بأن حجم المحتشدين الذي كان كبيراً مقارنة بقدرة مرشحين آخرين على الحشد، سيضطر الآخرين إلى لحظ الخازن ومراعاته أكثر. أما مضمون كلمة الخازن فأظهر التحرك كأنه موجه أساساً ضد نواب كسروان العونيين، في ضوء استخدام الخازن عبارات غريبة، كقوله مثلاً: «صوت كسروان الفتوح يعلو ولا يعلى عليه»، «مطالب كسروان الفتوح أوامر»، واستخدامه الكثير من كليشيهات الخطابة، مثل: «لا تحرجونا لتجبرونا»، و«نحن أصحاب حق، وصاحب الحق سلطان»، إضافة إلى بعض الأسئلة التي تحضر كلما تطلّب التحريض المذهبي ذلك لإثارة الحشد، مثل: «لماذا لا يوجد مستشفى في كل المناطق المسيحية؟». وكأن معاليه سابقاً لم يسمع بمستشفى بعبدا الحكومي.
نزل الخازن إلى المواجهة إذاً. منصور البون لم يغادر لحظة. أما وسام بارودي فيبدع فناً وسحراً لم يكن أحد يتوقعهما منه. في المقابل، لا يقف التيار متفرجاً كالعادة. الثابت الوحيد بين نواب كسروان الخمسة، إلى جانب العماد ميشال عون، هو النائب فريد الياس الخازن، أما النائبان نعمة الله أبي نصر ويوسف خليل فمصيرهما ضبابيّ في ظل عجز الأول، بحسب مصادر التيار، عن رفد اللائحة بعدد كبير من الأصوات، وتأكيد المعنيين أن الناخب يريد من النائب أكثر من «سمّاعته»، ولا سيما إذا كان حصوله على الاستشارة الطبية المجانية من خليل تحصيل الحاصل. تبقى السيدة جيلبرت زوين. اطمئنوا، ستسمعون صوتها هذه المرة، إذ يبدو أن التيار يتجه إلى إحلال مرشح جديد هو روجيه عازار محل جيلبرت.
على طريقة البون، يبدأ عازار التعريف عن نفسه بتعداد المليارات التي حصّلها تكتل التغيير والإصلاح ثمناً لزفت يوزع في كسروان. يتنقل بين فاريا وكفرحباب وقرى أخرى لينتهي محصياً نحو تسعة مليارات. «أنا من مدرسة منصور البون»، يقول متخرّج المدرسة العونية. كيف؟ «أحكي لغة منصور». فأنا إضافة إلى كوني من منطقته (الفتوح)، ألتزم نهج العلاقات المباشرة مع الأهالي. لا يسمّي رئيس بلدية عرمون الناخبين مواطنين، يسمّيهم «الأهل». الأهل يحتاجون في هذه القرية إلى باص يوصل أبناءهم إلى المدرسة، فيوفّره لهم. الأهل يحتاجون إلى فرصة عمل، «أفتح لهم شركاتي التي باتت تضم نحو 400 موظف كسرواني وتتّسع لتحتضن المزيد يوماً بعد يوم». الأهل يحتاجون إلى وسيط بينهم وبين مؤسسة الكهرباء، يكون هو الوسيط، وإذا تعثّرت وساطته يدفع من جيبه المستحق على الأهل. في حضرة البون لا يمكن ذكر كسرواني إلا يقول لك هذا ابن عمي، في حضرة عازار لا يذكر كسرواني إلا يقول لك هذا ابن خالي. يقول عازار إن العوني عوني والقواتي قواتي، المرشح الجدي هو من يستقطب خارج هاتين الدائرتين. ومن هم خارجهما، لا يُستقطبون بالسياسة. منصور قوي وسط «الذين في النصف». و«هنا، أسعى إلى ضربه». ولا ينسى أحد أقربائه (لعله شقيقه) التنبيه: «روجيه، كتلة مالية، يمكن أن يصرف على حملته الانتخابية أضعاف أضعاف ما ينتظر البون من الآخرين أن يخصّصوه لمعركته». تريدون المزيد من «المنصوريات»؟ فلسفة عازار تقوم على: «في المجلس النيابي 128 نائباً، يفترض أن يكون لكل نائب اختصاصه. ليس في التخصّص في الزفت عيب».
ستكتشف حين ترى تظاهرة فريد هيكل الخازن وتسمع هتافاتها أن العيب هو التخصص في غير الزفت.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé