بيانات صحفية / مواقف

الاب الدكتور يوسف توما الدومنيكي: إننا منذ الف سنة نحارب الفلاسفة في المنطقة العربية!!!   18/09/2012

يُعَّد الأب الدكتور يوسف توما أحد أعمدة الحركة الفكرية الجديدة بين شباب الأمس واليوم في العراق، فهو مدرّس في المعهد الكهنوتي وكلية بابل منذ اكثرمنذ اكثر من ربع قرن، وقد كان أيضًا مؤسس ومدير الدورة اللاهوتية في كاتدرائية القديس يوسف (السنتر) في بغداد منذعام 1980م، ورئيس تحرير مجلة "الفكر المسيحي" منذ  عام 1995م. في لقائنا الثالث معه تطرق الى مواضيع متفرقة ومتنوعة من وضعية الرهبنة في عصر الحديث، ووضعية جاليتنا في المهجر، ووضعية الانسان في العراق وشعبه بمختلف قومياتهم واديانهم، ومستقبل المسيحية الشرقية والكنيسة الكلدانية  والصراع الشرقي الغربي في سوريا والحضارة العالمية وغيرها من المواضيع الجانبية  .


الأب يوسف توما اهلا وسهلا بك في مقابلة ثالثة لموقع عنكاوا كوم


صورة من الارشيف


س1
يمر العالم اليوم في عصر مادي بحت، والحياة الفكرية كادت تنعدم، فلا تأمل ولا تفكير، ربما حتى الصلاة فقيرة من حيث المحتوى والمعاني بسبب انعدام الوقت، كراهب الآن قضيت  38 عامًا في الرهبنة الدومنيكية. كيف ترى الحياة الرهبانية اليوم، ما هو وضع الرهبنات الكبيرة مثل رهبنتكم أو رهبنة الكرمليين اوالمخلصيين وغيرها من ناحية الإنتاج الفكري، المشاريع الإنسانية الخدمية، وعدد الذين يرتدون ثوب الرهبانية فيها؟
الجواب:
إن المشكلة في العالم كله هي فعلا مشكلة هذا التذبذب الفكري الموجود نتيجة العولمة التي حوّلت العالم إلى نوع من السوق، "سوق هرج". فالقنوات الفضائية العديدة منعت الإنسان من الاحتكام إلى مقاييس معينة، كما هنالك النظم التي تتخبط، ويحار فيها الإنسان، وهناك الفكر الذي لا يستقر أيضًا على قرار، وهناك خصوصًا الحياة الروحية التي قد تداخلت مع التجارة، فيحاول كل واحد أن يجتذب أكبر عدد من "الزبائن" إليه.
في الحقيقة حتى المشاريع الخيرية "الإنسانوية" (humanists) أي التي تخصّ الإنسان أصبحت في حالة صعبة، إلى جانب التطوّع من خلال الدعوات صعب خصوصا كلما كان الإنسان معرضًا إلى "ترغيب العولمة"، كلما كان صعبا عليه أن يتخذ قرارات مستقرة في حياته. هذا التذبذب يجعل لدى الفرد غموضا في ما يخص الحاضر والمستقبل لذلك تراه يلجأ إلى الماضي، ويحاول أن يجد فيه مقياسا لحياته المادية. لكن هذا الماضي لا يكفيه ليروي عطشه. أما المادية التي بنيت عليها حضارة اليوم، فقد وصلت إلى الخط الأحمر فالبطالة في كل مكان وهي مقنعة حينًا ومكشوفة أحيانًا كثيرة في حضارة وصلت إلى حالة إشباع، بحيث أطلقوا عليها اسم "مجتمعات ما بعد الحداثة"، فيها لم يعد الطعام والملبس مشكلة، لكن المشاكل اختلفت، لكن في مجتمعات أخرى ما زالت متخلفة عن الركب، مشكلتها هي أنها تمنع أبناءها عن التفكير. وهي حتى إن بقيت على شيء من التدين لكن بلا تفكير لا يمكن للدين أن ينتعش ويُنعش، فهو كالطعام يحتاج أيضا إلى تحميص وفحص.
والدليل عندي، عندما يهاجر أبناء "المجتمعات المتعبة" إلى مجتمعات مرفهة، سرعان ما يصبحون "ماديين" مثل أبناء هذه المجتمعات.
الحقيقة، باختصار: إن محاولاتنا ومشاريعنا ورغبتنا في دعوة أكبر عدد ممكن من الشباب إلى هذه الحياة التي نريدها في خدمة الإنسان مبررها هو لكي نجيب على هذا السؤال الأساسي الذي سألته...

س2
أنت كثير الأسفار بين جاليتنا المسيحية الشرقية، بالأخص العراقية منها. هل لك أن تعطينا الغرض من سفرك؟ هل هناك حاجة أو ضرورة له؟ ماذا تقدم لهم؟
الجواب :
سفراتي هي فقط إبّان العطل، لكي التقي، لكي أغير الجوّ، ولكي اضبّط أوتاري، فبقائي تسعة أشهر أو عشرة في مكان واحد يحتاج إلى تغيير. الغاية هي أن أتعرف على أحوال جالياتنا وأن أكتشف أيضا من هذه البلاد التي أزورها الجديد مما لديهم من مسارات يسيرون عليها فأنقلها لإخوتي من أبناء شعبنا، في الداخل والخارج، هل يندمجون معها أم هل ينكمشون إزاءها؟ أو هل عليهم أن يذوبوا أو هل هم يضيعون؟ هذه هي الغاية ولكي أشكل أيضًا نواة لبحوث سوسيولوجية وفلسفية لوضع جالياتنا. كم أتمنى أن يأتي من بعدي من يهتم بوضع أسس لفكر اجتماعي يساعد على تجاوز هذه المحنة التي هي الهجرة والاقتلاع من الجذور وضياعها وهي حالة أقل ما يمكن أن نقول عنها أنها كانت عنيفة بالنسبة إليهم، وأنه يجب أن نحاول معالجة الصدامات والدمامل التي شكلها عنف الهجرة.


صورة من الارشيف


س3
بعد مرور سبعة عشر عاما على تسلمكم إدارة مجلة "الفكر المسيحي". كيف ترون تعاطي القراء مع المجلة، أعطِ لنا بعض التوضيح عن مجلتكم؟
الجواب:
صحيح دخلنا في السنة الثامنة والأربعين ونكاد ننهيها هذه السنة من عمر المجلة، وننهي بذلك ثمانية عشر عامًا من تسلم الآباء الدومنيكان لها، حاولنا أن نبقيها على خطها برغم ما حدث من تحولات كبرى هائلة جرت خصوصا بعد عام 2003. هذا إلى جانب ما ظهر على الساحة من كميات هائلة من مجلات ونشرات أخرى، لكن الخوف الذي كان يسودني قبل ثمانية أعوام، الآن قل كثيرًا، لأن الكثير من هذه المجلات لم يقاوم عامل الزمن والديمومة ولم تستمر. فإحصائية وزارة الثقافة العراقية في عام 2500 كانت تقول هنالك 2500 منشور ورقي في العراق، ولست أدري الآن ما هي الإحصائية؟
أرى الكثير منها قد انقطع أو تراجع أو أصبح هامشيا، ولم يتمكن من الإمساك بالمقود، نحو تحقيق رسالته التي تأسس من أجلها. ثم من ناحية أخرى، أغلب هذه المجلات كانت لسان حال جماعة معينة: إما حزب أو طرف معين لديه ما يدعمه. في حين الفكر المسيحي حاولت فعلا أن تبقى فكرًا ومسيحية، أي بانفتاح ودخول إلى الأعماق حتى لا تبقى الديانة المسيحية على هامش الأمور وإنما أن تنقل إلى قرائها شيئًا من هذه الحقيقة الضرورية التي تساعد كل واحد أن يمسك الدفة ويتجه نحو معنى حياته وهدفها.
وبالرغم من اختفاء أسماء كتاب مثل الأبوين حبي وبطرس حداد، وسفر عدد منهم الكتاب وخصوصًا الشباب منهم إما للهجرة أو للتفرغ للدراسة والحصول على الشهادات، مع ذلك نشكر الرب هنالك من يرفدنا بأحسن المقالات، ويحاول أن يدلُ بدلوه في إعطاء فكر وإيمان.  

س4
يمر العراق اليوم بوضع حساس جدا بل هو على مفترق الطرق، بعد قرابة عشر سنوات من التغيير لا يزال العنف يحصد أرواح الأبرياء. هل ترى بوادر لخيوط فجر جديد، فكر جديد، يقظة جديدة، روح وطنية جديدة، غير مبنية على الدين أو القومية أو المذهبية أو الأقلية والأغلبية؟
الجواب:
صحيح نحن على مفترق الطرق، المشكلة إن الاندفاع إلى الطريق لا يعني وجود غاية أو هدف كثير من الناس لا يرون أبعد من خطواتهم ولا يفكرون في المستقبل وتراكمات الماضي لم تعالج بصورة صحيحة وهذه يجعل أن العنف يحصد أرواح في كل مكان، وقد يمتد النار إلى جيراننا ولا يزال ما سمي بالربيع العربي يحصد أرواح كثيرة و منها أرواح الأبرياء.
ما يؤسف له هو أننا منذ ألف سنة، بسبب محاربة الفلاسفة في المنطقة العربية، لم نعطِ للفلاسفة والمفكرين مكانتهم في حل مشاكلنا وهذا أيضا دفعنا ثمنا غاليا عنه، ومازلنا ندفع.
الحلول ليست فقط بيد السياسيين، ولا بيد رجال الدين، الحلول بيد كل المفكرين وهؤلاء قد يكونوا سياسيين أو رجال دين، أي المسألة ليست فقط في مسائل إدارية، للديانات مكانتها، لكن من بينهم من يفكر وآخر يستغل الدين للعيش أو للربح. الديانات في بداياتها قامت كقيم وللتغيير، ونحن اليوم في حاجة ماسة إلى مراقبة ما نتعامل معه من قيم سادت وتسود مجتمعاتنا، البعد الديني العميق نحن نحتاج إليه كلنا، كما نحتاج إلى إداريين جيدين لكن الأهم نحن نحتاج إلى من يرسم أمامنا المستقبل ويعطي لنا - من خلال هذا الرسم - رؤية واضحة، كم نحن في حاجة إليها. أي إلى هؤلاء المفكرين الذين يعرفون رسم خارطة طريق نحو الغد.
أما هذا الانكفاء الذي أصابنا اليوم في الدين أو في القومية أو في المذهب أو على الجماعات الصغيرة كالعشيرة والأسرة ... هذا الانكفاء ما هو إلا رد فعل آت من الخوف، والخوف ليس صديقا صالحا ولا ناصحًا جيدًا! الخوف هو الذي يقود الجماعات إلى الانغلاق على نفسها والعمل بالمثل القائل: "الباب الذي تأتيك منه الريح سدُّه واسترح". هذا الخوف إذا لم نستطيع أن نرفعه من داخلنا سيستولي علينا وسيعشش بين بعضنا البعض - وهذا ما يحدث! ألا ترى كل هذه الحواجز والجداران العالية التي تبنى بين الجماعات؟ لم تكن موجودًا في الماضي لمنها أقوى وأعلى من الماضي، لذا نحتاج إلى من يكسر الجدران التي قامت بيننا، بين مذاهبنا وجماعاتنا، المفكر في اعتقادي هو ذلك الشخص الحر القادر على كسر مثل هذه الجدران والحواجز.



صورة من الارشيف


س5
المسيحية الشرقية في خطر بسبب الهجرة، البيروقراطية التي لا تستطيع تغييرها، الحداثة والتجديد السريع وحرية الفكر الذي وصل إلينا بواسطة التكنولوجيا. ما هو السبيل لإنقاذ مسيحيينا الشرقيين من الضياع أو على الأقل إيقاف نزيف الهجرة خصوصًا في العراق الذي هجره حوالي 60% من مسيحييه؟
الجواب:
المسيحية الشرقية واقعة منذ زمان بعيد في هذا العجز البيروقراطي - المؤسساتي، شأنها شأن جيرانها من الأديان الأخرى لأنها أهملت جانبين: فكري وروحي، فعامّة الناس غالبا لا يرون في رجل الدين سوى رجل مؤسسة، يخدم فقط قوالب مؤسساتية "كتابنا وكتابكم". لذا لم يحدث تغيير ولا حداثة ولا تجديد في مناطقنا بل انقسامات وتحزّب للأشخاص فبقينا في مناطقنا إلى حد قبل خمسين عامًا نكتفي بما يخص الخدمات والحاجات الضرورية، على نفس الأسلوب الذي كنا عليه منذ ثلاثة آلاف سنة!
ثم جاء دخولنا سريعًا جدا في الحداثة وحدث التغيير وقامت أصوات تنادي بضرورة وجود حرية في الفكر، وهذا جعل الفجوة كبيرة جدًا لا بين أجيال قديمة فقط، لكن في البيت نفسه، بين جيل الأهل وجيل الأبناء.
الهجرة إذن ليست هي المشكلة ولا هي الحل، لأنك تأخذ مشاكلك معك أينما ذهبت! الهجرة مجرد حل مؤقت، والمهاجر للأسف لا يأخذ معه سوى حاجاته وعقده ومشاكله وأحيانا كثيرة يأخذ فقط جهله. أما المهاجر الذي كان عنده رغبة في التعلم فهذا سيستفيد من بلاد الشتات، لكن الذي يهاجر كي يرتاح ويتخلص من معانات بسيطة فهذا الشخص لا يمكنه قط أن يصل إلى نتيجة، بل سيقضي وقته في بطالة وفراغ قاتلين. ولديّ الكثير من الأمثلة على الشلل الذي يصيب جماعتنا المسيحية في كثير من أنحاء العالم، خصوصًا أن البعثرة أضافت على ما كان لدينا من مشاكل كانت التكتل في ما مضى يخفيها.
لديّ إحصائية غير أكيدة إذ في اعتقادي أن لدينا على الأقل 35 دولة فيها مهجر مسيحي عراقي، وإذا أردت الوضوح أكثر لقلت: حتى في نفس البلد لا يمكن أن يكون استقرار في مكان معين، هذا إلى جانب تبعثر في بعض المناطق فيها عائلة واحدة أو عائلتان في مدينة معينة أو قرية. هذه الظاهرة أيضا لا تساعد على إنقاذ جماعتنا، ماذا سيتبقى منهم بعد عشر أو 20 سنة؟
إن نزيف الهجرة شيء ونتائجها شيء آخر فهي تحتاج إلى من يقيّمها ويجمع معلومات عنها ويخرج باستنتاجات تساعد كل واحد منا أن يفهم ويتحرك. هذا إلى جانب كل السلبيات الموجودة على الساحة المهجرية، ما هي سوى كشف لمعانات لدى كل مهاجر.


س6
المسيحيون والمسلمون والصابئة والإزيديون، كل له ديانته التي يكفل الدستور العراقي والمجتمع لها ممارسة عبادتها بكل حرية. لكن الاختلافات الاجتماعية من الملبس أو الطقوس في الأعياد الدينية موجودة. هذه الأسباب وغيرها جعلت المسيحيين يعيشون في قصبات ومدن وقرى في مناطق خاصة بهم منذ زمن بعيد. اليوم هذه الخصوصية تتعرض للخطر بسبب زيادة التناقضات السياسية وتحالفات الأحزاب وكذلك احتمال تقسيم العراق خاصة في المناطق المتنازع عليها. كيف يمكن للعراقيين جميعا أن يعتمدوا على بعض مبادئ مثبتة أو يجب تثبيتها في الدستور لتساعد على حل المشكلة ؟ كذلك على حفظ حق كل مكوّن في الوجود وممارسة نشاطه الإنساني.
الجواب:
إننا لم نصل بعد إلى وضع قانون لضبط علاقتنا مع بعضنا البعض، فالمسالة ليست في تعددية دينية أو مذهبية أو عشائرية ولا حتى في الاختلافات التي لا بد منها في كل بلد وزمان. الصراعات تحدث عندما يختل التوازن، وما نراه في الظاهر على السطح من تناقضات قد تبدو "سياسية" لكنها في الحقيقة تخفي تناقضات أخرى أعمق، لم يتم معالجتها، فهذه الأحزاب مثلا تتحصن خلف مواضيع مبدئية لكن الحقيقة هي حب السلطة والمال وتفضيل جماعة على حساب جماعة أخرى، أي إننا لم نصل بعد إلى تجاوز ما قد تجاوزته دول عديدة (كالهند مثلا حيث لا تشكل اختلافات شعوبها مشكلة في دستورها).
أنا الآن أكتب لك من ألمانيا، حيث كثير من معالم هذا البلد كانت قد دمرت قبل 65 عامًا، لكنه اليوم بلد يُعدّ من أكثر البلدان نجاحًا ورفاهية في العالم، ذلك لأنهم قلبوا الصفحة، واستطاعوا أن يتجاوزا الماضي، فقام بينهم مفكرين، آخر واحد منهم اكتشفته قبل أسابيع، وهو قريب من هذه المنطقة، هو المفكر " بيتر سلوترديج Sloterdijk المولود عام 1947 وهو أستاذ في جامعة "كارلس روهو". وقد اقتنيت ثلاثة من كتبه كي أطلع على أسباب نجاحه وتأثيره والشأن الذي أخذه والضجة التي أقامها بأفكار طرحها... ما يعجبني في هذا البلد - بالرغم من أخطاء ارتكبها قادته وآباؤه - أنه ما يزال يطرح مسألة الإنسان، فكل مفكريه طرحوا مسألة الإنسان كأساس جوهري لكل فكر.
أما نحن في العراق، فما زلنا بعيدين عن طرح هذه المسالة، أو هي تبقى عمومية، فلا تخص شعبًا أو جماعة أو ديانة أو قبيلة وطائفة، لكن يجب طرح مسألة الإنسان الضحية، لا بسبب انتمائه فقط كمسيحي أو مسلم أو إيزيدي أو صابئي، لكن عندما يصبح كل إنسان ضحية لأحد فهو هذا إنساننا أخونا وقريبنا، أما الأحزاب التي لا تضع الإنسان في أساس عملها و بحثها فلا معنى من وجودها وشعاراتها.
في الحقيقة حتى الدستور العراقي في حاجة إلى إعادة نظر كي يبنى على مبادئ إنسانية، ولكي نصل إلى نتيجة يجب أن نعرف ما هو الإنسان والى أين يتجه، فالأفكار القاتلة هي التي أدت بالعالم إلى الحروب لأنها همّشت الإنسان وخلقت إيديولوجيات قاتلة، كما قال المفكر اللبناني أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة". أدعوك وأدعو القراء إلى مطالعة هذا الكتاب الذي ترجم إلى العربية أيضا.  

س7
أكثر من مرة طُرِح الموضوع عن وضعية الكنيسة الكلدانية، وأكثر من دعوة وجّهت إلى رئاسة الكنيسة وأعضاء السينودس لاتخاذ خطوات عملية في تغيير أو تصحيح النظام الإداري. لو كنتم انتم أحد الذين استشارتكم الكنيسة الكلدانية لوضع الحلول العملية لها، ماذا كنتم ستقترحون على السينودس المقدس والكهنة والمؤمنين لجعل الكنيسة مرة أخرى تستعيد حيويتها.
الجواب
هنا أيضًا أقول لا زلنا نتخبط في مسائل ثانوية وهي ليست لا فكرية ولا روحية، لا زلنا نتخبط في مسائل إدارية أو قانونية قديمة عفا عليها الزمن. الأولوية ليست لنظام أو مؤسسة بل للحياة. كما قال يسوع: "جئت كي ما تكون لهم الحياة وتكون لهم أوفر" (يو 10/10). وباعتقادي على هذه الحياة أن تمر مع عناصرها فينا فنحيا كما يحدث في جسمنا، وكل قطعة منا لا تتغذى لا يمكن أن تبقى حية في الجسم، لذا بنى يسوع الإيمان على صورتي مغذيتين: "كلام وطعام".
لذلك أقول إن ما يعوز كنيستنا هو كلام نازل وآخر صاعد أي لقاءات بالرب واجتماعات بيننا. والحال منذ خمس سنوات لم يحدث أي سينودس في كنيستنا، هذا إلى جانب اعتبار الكهنة خارج عن هذا السينودس. أنا شخصيا كاهن منذ 32 عامًا، لم أدعَا قط إلى أي حلقة نقاشية حول مستقبل كنيستنا من قبل السادة الأساقفة، ولست اعرف كيف يمكن أن نفعّل هذه القابلية في إعطاء الحياة للقاءاتنا وإنعاش هذا الفكر الذي يقتصر فقط على تمشية الأمور، لكنه لا يتناول الأساسيات التي نحن بحاجة ماسة إليها.
مع ذلك، والحمد لله، شعبنا شعب مؤمن رائع، وفيه عناصر جيدة خصوصا بين الشباب الأسخياء، هؤلاء يقف عليهم إنقاذ المستقبل، فهم خدام "الكلام والطعام" الذين يقدّمونهما وهم الذين يذكرونني بعرس قانا الجليل (يوحنا 2)، فالخدام وحدهم شاهدوا المعجزة، عندما حوّل يسوع الماء إلى خمر، أما العريس والضيوف فكانوا مخدومين فقط أي أبناء هذا العالم، نحن الخدام، علينا أن نفتح أعيننا نحو المستقبل فنشهد التحول الذي يريد يسوع أن يجريه بيننا وفي عالمنا.
لهذا في اعتقادي، المستقبل يكمن بيد العناصر الشابة المفكرة والمصلية، أي الجماعات الصادقة المحبة التقية التي لديها رغبة عميقة بأن تشهد للمسيح ولحياته الرائعة ولمعجزة التحوّل التي يريد أن يجريها في عالمنا، أي يحوّل حياتنا التي تشبه الماء (بلا طعم ولا رائحة) إلى خمرة عيد طيّبة. فالمسيح قادر أن يحوّل الحياة إلى عيد وإلى فرح. والفرح مقياس كل مؤسسة أيا كانت دينية أم مدنية. النتيجة فرح ورغبة بالاستمرار وهذا هو الطريق الأصح.  

س8
بعض النقاد والمفكرين يرون أن الحضارة الغربية مريضة، بل هي في خطر، لأنها وضعت "البيض" كله في سلة الفكر المادي. هل تظن هذا صحيحًا؟ وهل تعتقد أنها ستوفق في النهاية لو استمرت في نهجها المادي؟
الجواب
هناك انقاد يأتي من خارج الأمور، وهناك نقد يأتي من الداخل من المعرفة كالمثل العراقي القائل: "ما يعرفك يا لبن، غير الذي يخضّك"، كثيرًا من الأحيان ننتقد بيت من الخارج فقط، بسبب بعض العيوب التي تظهر عليه خارجًا، لكننا إذا ما دخلنا في داخله سيختلف شكل نقدنا. فالانتقاد ليس كالنقد، الأول سطحي وانفعالي أما النقد فمعرفي وعن خبرة وهذا ليس سهلا قط، أي يختلف الانتقاد عن النقد الذي هو شيء بناء، يعطى لمن لديه كفاءة، ويكون قادرًا على تغيير الأمور وإعطاء البدائل. والدول المتقدمة استطاعت بفضل الديمقراطية أن تعطي لأبنائها نضوجًا وشعورًا بالمسؤولية وقدرة على إجراء هذا التغيير بواسطة صناديق الاقتراع، وهذا أهون بكثير مما يحدث في الدول الدكتاتورية القامعة التي تريد تحقيق الأمور بسرعة، لكنها عمياء.
هذا لا يعني أن الأمور تسير على ما يرام في كل مكان، لكن لنكن منصفين، في الدول الديمقراطية نسبة كبيرة من الناس تعيش بشكل جيد مع ضمانات فلا يشكل الفقر والعوز فيها الأساس أما دول العالم الثالث فتختلف كثيرا، باعتقادي في الدول الغربية قدرة على الإصلاح من خلال صمامات الأمان التي تعطيها للقوانين والصحافة والقدرة على إصلاح المسار واختيار الناس الأكفاء لقيادتها، وبرغم بعض الأخطاء الموجودة لا يمكن أن تقارن بما عندنا. هذا ما أستطيع قوله جوابا على هذا السؤال لكنه يحتاج إلى توسع أكبر.


صورة من الارشيف

س9
في ظل الصراعات الحالية بين الشرق والغرب، التي تتجسد الآن في قضية سوريا، من سيُذيب الآخر أو سَيبتلع الآخر، هل الغرب سيُجبر الشرق على التغيير أم الشرق سيسحب الغرب إلى الوراء ونبذ التجديد؟
الجواب:
لا اعتقد أن سؤالك هذا مطروح من منظور حقيقة ما يحدث على أرض الواقع. فالشرق والغرب اليوم يشهدان قيام معسكرين يلعب فيهما الاقتصاد الدور الكبير. ما أراه فقط هو عودة شبح الحرب الباردة، التي كانت بين دول متشابهة غربية فقط وكانت كلها تسمي نفسها دولا ديمقراطية! اليوم وقوف روسيا والصين في جانب وأوربا وأمريكا في جانب آخر يقسم العالم – كما في الماضي – ويجر البقية وراء قرارات ليست منه، أي عدنا إلى "الانحياز" لهذا أو لذاك ومن يجري وراء من؟ هذا العودة إلى الوراء انكشفت في سوريا، لكن لا بد أن نعترف أن الكثير من الأمور المتراكمة هي التي فتقت الخرج (أو الكيس)، وإهمال الإصلاحات جعلت الكيل يطفح. نحن أمان جمهوريات وراثية وديكتاتوريات طويلة الأمد، وأناس لم يعطوا أهمية لعامل الزمن. في الحقيقة كل شيء يمكن أن نقرأه من منظور تعاملنا نحن مع الزمن، الذي لا يمكن تجاهله وقتنا قصير وحياتنا قصيرة، والنتيجة ليست بالتخلص من هذا أو ذاك، لكن ماذا سيكون اللاحق، من يقول أننا لن نعاني مما هو أسوأ؟
الشعوب ما عادت ترضى أو تقتنع بلغة الشعارات والوعود والأفكار الإيديولوجية، كل هذه لعبت بعواطف آبائهم، وهذا ما ساد القرن العشرين (قرن الإيديولوجيات)، أما اليوم فلا أحد يريد أن يكرر الماضي القريب الشعارات والأفكار التي دغدغتنا لم تعد تغذينا.
ما يحدث بصورة عامة، وفي منطقتنا خصوصا، أعقد بكثير ولا اعتقد يجب أن نكتفي بثنائية: شرق وغرب، خير وشر، أسود وابيض، أو بكلمات مثل رجعية وتقدمية، أو قديم وجديد... الثنائية علامة سذاجة ونقص في القدرة على التحليل، وطروحات سريعة، المسألة تحتاج إلى كثير من إعادة نظر، وخبراء والتزام وأن نستفيد من شعوب أخرى سارت على هذا الطريق من قبلنا وقد تفيدنا في قراءة أمورنا.

س10
هل من كلمة أخيرة تود توجيهها لشعبنا المسيحي والعراقي من خلال موقع عنكاوا كوم.
الجواب
كنت هذه الأيام أتأمل في آيتين من الإنجيل؛ الآية الأولى: عندما قال يسوع لتلاميذه الأوائل من الصيادين: "تقدّموا إلى العمق وألقوا شباككم" (لوقا 5/4)، أي إنّ السمك الكبير يكون في عمق البحر، لكن التقدّم إلى العمق يحتاج إلى شجاعة وتقنيّة وصبر. وهذا يذكرني برواية قديمة للكاتب الأمريكي ارنست همنجواي (الشيخ والبحر) الذي أصرّ أن يسحب إلى البر بهيكل عظمي لسمكة كبيرة اصطادها، لكن أسماك القرش نهشت لحمها، لكنه أصرّ أن يأتي بعظامها كي يقول لأصدقائه: "إنتصرتُ، أنا الشيخ، على هذه السمكة العملاقة". إنها دعوة إلى المحاولة والتحدّي، فلا نكتفي باستعراض المشاكل ولعنة الظلام. صيد السمك بالنسبة إلينا هو الغوص في محاولات فكرية وروحانية جديدة، من أجل قيم نظام صالح يفيد الناس ويعطي خبرة كل واحد قيمتها.
الآية الأخرى التي جلبت انتباهي هي: "سراج الجسد العين، فإذا كانت عينك سليمة جسدك كله يكون نيرا" (متى 6/22). ولعل أحسن تفسير لها قرأته لدى الفيلسوف عمانوئيل ليفيناسLevinas (1906 - 1995) الذي قال: "نحن لا نعرف سوى ما نسلط عليه نورَنا". أي لن نصل إلى الحقيقة إلا بحقيقتنا، وهذا يميّز الإنسان الواعي والمسؤول، الذي يدعوه يسوع ليتبعه، ويعطيه القدرة على التوجّه، وتسليط الضوء، فيوجه (خبرته الإيمانية) كسراج تبرز ما في الأمور من خفيّ لا تراه الناس عادة.
كثيرون منا يعملون أشياء بلا فائدة ويشعرون على مدى سنوات أنهم لم يحققوا شيئا في حياتهم. كأن يكونوا قد قضوا وقتهم في كسب لقمة العيش فقط، سيفهمون معنى: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" (متى 4/4)، فاللقمة لم تعد تكفي ولا تشبع. ولذا، أينما كنتَ، أفي الشرق أو في الغرب، ستشعر أن ما يتحداك كلمتان: القلق والكسل، وهما أخطر مرضين في زماننا، لأن كلاهما يشلان الفكر والعمل، في الشرق كما في الغرب الإنسان هو هو والاختلاف فينا وليس بيننا. فمن يقول: "لا استطيع" يبقى كسولا، ومن يحاول سينتابه القلق، وإذ فشل في محاولته الأولى سيتراجع وهذا أيضا مشكلة. لذا في اعتقادي كل لجوء إلى حل مؤقت أمر عقيم، كما أن اللجوء إلى الماضي فقط كي يرتاح علامة كسل عقيم . القلق والكسل يتقاطعان ويتفاعلان فينا أكثر مما نتصور.
الحل في الواقع والحاضر وهذا يذكرني بجملة قالها الممثل الساخر وودي ألن Woody Allen في أحد أفلامه: "أنا أحب الفن، أحب السينما، ولكن بالواقع فقط يمكنني آكل قطعة لحم بقر لذيذة (ستيك steak)". أي المهم أن تكون أقدامنا على أرض الواقع، فعبادة الماضي شكل من أشكال الصنمية، والحنين لا يطعم شيئًا، والبكاء على الأطلال بلا فائدة. كلنا في حاجة إلى العبور، عبور من الانفعال السياسي والديني إلى حياة حقيقة، وعبور من إعلام لا يدغدغ سوى المشاعر والعواطف إلى إعلام يكشف الحقيقة.

رابط


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé