بيانات صحفية / مواقف

أيام على غيبة الأب باولو دالوليو صوفيّ الثورة السورية   08/08/2013

مِن أجل كل من فقد عزيزا
كانت تلك الصلوات التي يردّد الصخر صداها في طريق وعرة إلى قمة جبل في القلمون السورية، حيث خرائب قديمة ابتناها مهاجر حبشي قبل قرابة الألف عام (1058)، صلوات لرجل طويل القامة كان قد قرر مغادرة الجيش الإيطالي في بلاده والذهاب شرقا في رحلة تأمل…. إنه الأب باولو دالوليو (Paolo dall'Oglio) القادم من ضفاف المتوسّط لإحياء هذا المكان الموحش. وكان أول ما فعله الإقامة على ارتفاع شاهق حيث رأى حطام التاريخ أمامه منذرا بحطام محتمل للإنسان إن لم يتدخّل الفكر الحر. جاء بمتطوعين من سكان الريف المحيط ومن شباب، مسلمين ومسيحيين، ليعيدوا النبض إلى الجبل.

رمّمه الأب باولو وصار جزءا منه وصار هو جزءا من سكّان القلمون ثم صار مواطنا سوريا بانتمائه إلى ثورة السوريين على الاستبداد. سلك تلك الطريق يوما ما الراهب موسى الحبشي ليعتزل الناس وصخبهم، ثم سلكها الراهب باولو في العام 1982 ليبقى فيها وليكون أول الباقين في علياء الحوار ما بين أبناء إبراهيم، وليتبعه بعدها العشرات ثم المئات ثم الآلاف على مدى العقود الثلاثة الماضية، حيث كان الوصول إلى دير مارموسى الحبشي، حيث الأب باولو يتطلب ركوب السيارة ثم المشي على القدمين على سلالم متعرجة تعبر التضاريس، ولا فرق إن كانت في ثنايا ومغارات جبل على طريق دمشق ـ حمص أو في في التضاريس المعنوية لسوريا وحاضرها المتلبس.

يقول الأب باولو دالوليو: "نحن من خفقت قلوبنا وأرواحنا مع الانقضاض الهمجي لبشار الأسد وجيشه على سوريا ومعالمها وتراثها وآثارها: لماذا تحزنون إذا سقطت القذائف على الجامع الأموي؟... أين المشكلة؟ الخرائط والمخططات القديمة عندنا وسنقوم بإعادة إعماره وترميمه بعد سقوط النظام... المهم أن يسقط النظام ويذهب الديكتاتور والباقي سهل".

سليل ظلين
يعدّ باولو ذاته سليلا لظلين ما زالا يعبران سماء الشرق كغمامة تنوير، الناسك شارل دي فوكو الذي عاش في المغرب العربيّ وفي الشرق الأوسط، وعالم الإسلاميات والمستشرق الكبير لويس ماسينيون محقق أعمال الحلاج وديوانه الشعري وغيره من أقطاب الفكر والتصوف الإسلامي. ومن خلال تلك الجذور الضاربة في الشرق وفي عالمية الإنسان، أينما كان، بدأ الأب باولو مشروعه الإنساني الواسع، يقول: "يتغذّى الصراع من المخاوف المتبادلة، وحده الحوار المزوّد بوجهة نظر الآخر يقود إلى المصالحة في العدالة". ولكنه وبعد أن ظهرت الوحشية والهمجية التي مارستها قوات الأسد في كل اتجاه، أخذ يكتب بشكل مختلف "كنت في الأيام الأخيرة أحلم وأشعر بأنّ هناك مَن يخطط لاغتيالي ويذخّر رصاصة في مسدّسه ليرميني بها، استرجعت طمأنينة نفسي عندما اكتشفت أنّني رُميتُ برصاصة ولكنّها افتراضية". وطردت ديكتاتورية بشار الأسد الأب باولو من سوريا، بعد أكثر من ثلاثين عاما من الحياة على أرضها، وأضحى أجنبيا من عايش الناس في يومياتهم أكثر مما عايشهم بشار الأسد ونظام حكمه. ثم طاردت المخابرات السورية الراهب عالي الهامة، حين رفض قرارها بإبعاده عن سوريا. وقال إنه هنا من أجل الناس والجرحى والمصابين والجوعى والمشردين، ثم غادر سوريا مرغما بعد مناشدات مختلفة حرصت على حياته وسط بحيرة الدم السورية.
دعته أطياف المعارضة السورية بالإجماع، ليكون أحد أهم مئتي شخصية سورية حضرت مؤتمر القاهرة الموسّع للمعارضة السورية وقوى الثورة بإشراف الجامعة العربية، أواسط العام 2012، وفي المؤتمر وقف باولو يهتف كطفل في مظاهرة وبعربية مكسّرة وحنجرة مجروحة (الشعب السوري واحد.. الشعب السوري واحد …العلوية بدّو شقفة ..الكراد بدّو شقفة… العلوية بدّو شقفة… الكراد بدّو شقفةّ!!) في غضبه على انسحاب الوفد الكردي من أعمال المؤتمر، كان يقرع أجراسا بهتافه ذاك، لا ليعمّم هتافه على جميع الكرد وجميع العلويين، بل ليجرح المسألة، ويوضح خطورتها، ويحذّر من التقسيم الذي بات اليوم على الأبواب، وكانت الوفود تتهامس، فيقول الكرد ممازحين (هل أنت قومي عربي يا أبونا باولو؟)… (هل أنت بعثي؟!) ويقول العلويون (صرت طائفيا يا أبونا باولو)!.
لكنه لم يكن هذا ولا ذاك، كان يقول ما في نفوس الناس من مخاوف، قبل أن يسمعوه في البيانات والتصريحات وقبل أن يروه جحيما ورصاصا واقتتالا، ذلك الاقتتال الذي دفع بالراهب الإيطالي، السوري، إلى تطبيق ما تعلّمه جيدا من عشرة السوريين، فكانت (فزعة) الأب باولو في الذهاب إلى الشمال السوري، الرقة والشريط الناري المتفجّر بين الكتائب، في مهمة سرية، لمحاورة الجبهات كلّها، الإسلاميين والكرد، المتطرفين والوسطيين، حاملي السلاح والسلميين.

الأب باولو يختفي

يمكن للمرء أن يرى باولو دالوليو في صور كثيرة، أكثرها إيلاما هذه الأيام تناوله الإفطار الرمضاني مع أهل القصير، جالسا على الأرض مع شباب ومسنين ربما صعد بعضهم إلى السماء شهيدا على أرض القصير، أو صلاته مع أطباء حمص صلاة الجنازة على أرواح الشهداء، قبل ذلك وبعده، لم يتردد الأب باولو في المساهمة كسوري أصيل، في كل نشاط سوري معارض يخدم الشعب وحلمه بالحرية، فتجده حاضرا في المؤتمرات التشاورية، محاضرا فيها، وتجده عضوا في هيئة التحرير الاستشارية العليا لمجلة دمشق مجلة الثورة السورية الفكرية والأدبية مع سلمى الخضراء الجيوسي وصادق جلال العظم و سلامة كيلة وسيد عطاء الله مهاجراني وهاني فحص وجورج صبرا وكبار المثقفين السوريين والعرب، وعضوا في رابطة الكتاب السوريين الأحرار، ومع الديمقراطيين، ومع شيوخ الشام وفي كل مكان.

يختفي الأب باولو اليوم، ولكنه لا يختفي، بل يحضر أكثر وأكثر، وتزداد رسالته سطوعا، ووجوده قيمة، في التكوّن الجديد والمستمر للشخصية السورية، وفي طريقها الوعرة إلى الحرية… ناذرا نفسه حقّا من أجل هذه اللحظة، وحين تصعد السلالم والمنعرجات إلى دير مار موسى الحبشي، ستجد رسالة من الأب باولو كتبت على لوحة بيضاء، (من هنا الزيارة روحية.. شكرا لالتزامك الصمت) ويبدو أن (أبونا) قد التزم بتعليماته تلك في زيارته إلى الشمال السوري صامتا عن كل تصريح حتى يتم مهمته، وينجز ما قدم من أجله إلى سوريا ذات يوم.


عودة

Fotbalove Dresy futbalove dresy na predaj maglie calcio online billige fotballdrakter billige fodboldtrøjer maillot de foot personnalisé